سلطان ابراهيم الخلف
مارس العرب تضامناً قوياً مع إخوانهم الفلسطينيين عند بداية الاحتلال الصهيوني لفلسطين، أو ما يعرف بالنكبة، وكانت تمثّل شغلهم الشاغل، حيث شاركوا في مقاومة العصابات الصهيونية المسلّحة القادمة من أوروبا الشرقية وكانت تمارس تهجير الفلسطينيين من مدنهم وقراهم بالقوة العسكرية. ثم اندلعت حرب 1948 كأول حرب بين العرب والصهاينة، لتعبّر عن التضامن العربي الرسمي ضد الأطماع الصهيونية في فلسطين. واصل التضامن العربي زخمه متمثلاً في رفض العدوان الثلاثي على مصر في 1956، وإن لم يتخذ مواجهة عسكرية عربية مباشرة مع البريطانيين والفرنسيين والصهاينة المعتدين، الذين انسحبوا من مصر بعد توجيه إنذار شديد اللّهجة لهم من قبل الرئيس الأميركي أيزنهاور.
وفي حرب 1967، أو ما عُرف بـ«النكسة»، شاركت غالبية الدول العربية فيها، لكنها كانت مخيّبة للعرب، حيث احتلّ الصهاينة كامل الأرض الفلسطينية ومرتفعات الجولان السورية وصحراء سيناء المصرية. إلاّ أن العرب تجاوزوا كربتهم، وأعادوا تضامنهم ليواجهوا الصهاينة عسكرياً في حرب «العاشر من رمضان» 1973، وقد كان موقف الملك السعودي الراحل فيصل بن عبدالعزيز، المتمثّل في حظر تصدير النفط إلى الولايات المتحدة والدول الداعمة للكيان الصهيوني، قمة في التضامن العربي مع مصر في مواجهة الكيان الصهيوني المحتل، رغم تداعياته الاقتصادية السلبية على تلك الدول. لكن التضامن العربي بدأ يتزعزع في الثمانينات مع تطبيع مصر مع الكيان الصهيوني، ومع الحرب العراقية - الإيرانية، حيث وقف النظام الأقلوي السوري البائد مع النظام الإيراني، ثم زاد تزعزّع التضامن العربي مع احتلال النظام العراقي للكويت، حيث وقفت بعض الدول العربية المارقة مع المحتل العراقي الغاشم، دون مراعاة للقانون الدولي، وللكويت كدولة مستقلة عضو في الأمم المتحدة والجامعة العربية، أو للأخوة العربية التي يتشدقون بها، وكأن الكويت كنز مجهول يحق لهؤلاء المارقين الاستيلاء عليه.
ولم يعد للتضامن العربي أي أهمية بعد هذا الشرخ الكبير الذي تركه احتلال العراق للكويت، ودق فيه إسفين الفرقة بين الدول العربية، وفتح الباب للاحتلال الأميركي للعراق وتسليمه لإيران، ليفتح الباب أمام التغوّل الإيراني والصهيوني في منطقتنا العربية، فقد أحكم النظام الإيراني سيطرته على أربع عواصم عربية، باستثناء دمشق التي تحرّرت من قبضته، بينما تجرأ الصهاينة وشنوا حرب إبادة على سكان غزة المحاصرين.
الحرب اليمنية الحالية، تمثّل أعلى مستويات تدهوّر التضامن العربي، حيث تقود المملكة العربية السعودية الحرب ضد الحوثيين الذين يمثّلون الذراع الإيرانية المسلّحة في اليمن، الذين يحاولون السيطرة على «باب المندب» الإستراتيجي، وتهديد الملاحة فيه، وخنق الاقتصاد العالمي بالتزامن مع أزمة الملاحة في «مضيق هرمز»، الذي يحاول النظام الإيراني التحكم فيه. فلا فائدة من بقاء الجامعة العربية التي لم تعد جامعة للعرب المتشرذمين! ومتى يعي العرب خطورة تفرّقهم، وما يمثله ذلك من تداعيات كارثيّة على مستقبل شعوبهم ؟

