سارة النومس
صديقتي كانت غاضبة، قالت: لماذا هناك أناس يفرحون عند حزننا، وعند فرحنا يزعجهم ذلك؟
فقلت لها باختصار: ربما ذلك حسد يعاني منه صاحبه تجاه الآخر. البعض يرغب أن تكوني في حاجته وقت ضيقك وحزنك، وأن يستمر بك هذا الحزن حتى يكونوا دائماً بالقرب منك.
حكت لي إحدى السيدات عن معاناتها في مواضيع معينة مع صديقاتها وأهل زوجها. ولا أخفي عليكم، في فترات معينة من اليوم، أو ربما يوم في الأسبوع، يمنّ الله عليّ بحكمة، فأصبح حينها واعية وأطرح نصائح مفيدة. استمعت إليها، وانتهت بجملة: لماذا يفعل الناس بي هكذا وأنا لم أؤذهم؟ فقلت لها: ربما هم يرون أنك آذيتهم بتلك التصرفات.
فقالت: كيف؟
أجبتها: لنتخيل أنا وأنت أننا في مكانهم الآن، ولا تنسي أن هناك أجيالاً تفصل بينك وبينهم، أي أنك عشت زمناً كان العيب فيه مختلفاً عما هو عليه اليوم؛ فما كان عيباً بالأمس أصبح عادياً اليوم، وما كان عادياً آنذاك قد يصبح عيباً اليوم. لنضع تلك الأشياء في بالنا، والآن أنت تقفين مكان فلانة، وأتت فلانة، أي أنتِ في الواقع، وقامت بذلك التصرف، ماذا ستفعلين؟
ومهما حاولنا أن نتجرد من العاطفة الأنثوية، فلا بد للمرأة أن تدافع عن موقفها، فقالت: حسناً، ربما أغضب، لكنني لن أقوم بما قاموا به تجاهي. فقلت لها: إن ما قمتِ به أمر عادي، ربما كانت تتجاهله النسوة قبل خمسين سنة مضت، لكن اليوم أصبح من الأمور التي قد تجلب الخلافات، فلا بد أن نضع ذلك في الحسبان ونحترم وجهات النظر. وردة الفعل من الطرف الآخر أيضاً قد تكون عادية من وجهة نظره، وما جعل الأمور تتفاقم هو ما تكنينه من ضيق تجاههن، وهن يتبادلن معك المشاعر نفسها.
لذلك، بعض المواقف عندما تحدث بين الرجال تكون عادية ويتجاهلونها، لكن عند أغلب النساء قد تكون من الحساسيات التي تسبب خلافات ونزاعات بينهن. التصرف بناءً على العواطف متعب جداً، لذلك لا ننصح الرجل بأن يتعامل مع مشاكله الزوجية بعاطفة، وإنما بعقل وتروٍّ، وتجاهل أحياناً، دون تجرد من الإنسانية. وليس المقصود أن تكون العاطفة أمراً سيئاً، ولكن المشكلة تبدأ حين تصبح هي الحكم الوحيد على المواقف وعلى نوايا الآخرين.
الموقف الأول الذي ذكرته في المقال، كانت تلك الفتاة لها صديقة مقربة تقف معها في كل صغيرة وكبيرة، ولم تنسَ ذلك المعروف. ولكن عندما حصلت على بعثة دراسية لاستكمال الماجستير، تغيّرت تلك الصديقة تجاهها وافتعلت المشكلات، حتى انتهت علاقة الصداقة تلك.
كانت نصيحتي لها أن الحياة مليئة بالناس الطيبين، فلماذا نحزن عندما يفارقنا من يغضبون لنجاحنا؟ خيبة أمل؟ عادي. لو تذكرنا كل خيبات الأمل في حياتنا، منذ طفولتنا وحتى اليوم، فربما يجب أن نعاتب أنفسنا التي لا تتعلم من الدروس. فليس كل من بدأ الطريق معنا كُتب له أن يكمله معنا، وليس كل رحيل خسارة كما نعتقد في لحظته.
قد نفعل أموراً طيبة كي نكسب الأشخاص الذين نحبهم في حياتنا، ولكن عندما يقررون الرحيل، يجب أن نترك لهم الباب مفتوحاً، بل يجب أن يكون الباب دائماً مفتوحاً للآخرين وللناس، كي لا نصاب بخيبة أمل وإحباط، وربما اكتئاب أحياناً، خاصة مع الناس الذين اعتدنا مشاركتهم حياتنا، ولنا معهم ذكريات ومواقف جميلة.
لا ننكر تلك المواقف، ولندعُ لهم بالخير، ولكن لنبقِ ذلك الباب مفتوحاً دائماً. فالاحتفاظ بالذكريات الجميلة لا يعني أن نحتفظ بالأشخاص رغماً عنهم، وبعض العلاقات حين تنتهي لا تحتاج إلى خصومة، بل إلى قبول هادئ بأن دورها في حياتنا قد انتهى.

