تغريد إبراهيم الطاسان
تشرّفت الشهر الماضي بلقاء طلاب جامعة الملك سعود وطالباتها من خلال إقامة ورشة «الانضباط الذاتي أساس النجاح المستدام»، وخرجتُ منها وأنا أفكر في الحديث الذي دار بعد انتهائها أكثر مما أفكر في الكلمات التي قلتها خلالها.
جاءت أسئلتهم من تجارب يعيشونها فعلًا: كيف نحافظ على حماسنا حين تتزاحم الالتزامات؟ وكيف نعرف أن الطريق الذي اخترناه يناسبنا؟ كان في أسئلتهم وعي بالفرص، وإدراك لصعوبة الاختيار بينها، ورغبة صادقة في أن يصنعوا من سنوات الجامعة بداية تستحق ما بعدها.
اللقاء بالشباب، وطلاب الجامعات على وجه الخصوص، يبعث في النفس طمأنينة يصعب أن تمنحها التقارير والأرقام وحدها. حين نجلس إليهم ونسمع كيف يفكرون، نرى جيلًا يملك فضول المعرفة، ويطرح أسئلة دقيقة عن مستقبله، ولا يكتفي دائمًا بالإجابات الجاهزة.
قد يختلفون معنا في طريقة التعبير أو في تصور الطريق إلى النجاح، وهذا سبب إضافي لأن نقترب منهم. فمن خلال الحوار نفهم ما يشغلهم، ونكتشف ما يستطيعون تقديمه.
وأعترف أنني شعرت بشيء من الغبطة وأنا أتأمل الفرص المتاحة لهم اليوم. حين كنا في أعمارهم، كنا نتمنى لو وجدنا جزءًا يسيرًا مما أصبح في متناول الطالب الجامعي: مصادر معرفة مفتوحة، وبرامج تدريب، ومساحات للمبادرة، وفرصًا أوسع للتواصل والتجربة.
وهذه الفرص تدعو إلى الفرح، كما تدعونا إلى مساعدتهم على الإفادة منها. فكثرة الخيارات قد تربك صاحبها إن لم يجد من يعينه على معرفة قدراته وتحديد هدفه، ومن يطمئنه إلى أن التجربة والتعثر جزء من التعلم.
وحين أرى ما لدى هؤلاء الشباب من طموح واستعداد، أقول باطمئنان إن جيل رؤية السعودية 2030 كسب الرهان، واستحق ما خُطِّط له من فرص وما فُتح أمامه من آفاق. لقد آمنت الرؤية بقدرة الشباب على أن يكونوا شركاء في بناء المستقبل، وها نحن نجني ثمار ذلك الإيمان في وعيهم ومبادراتهم ورغبتهم في التعلم والمشاركة. وما أجمل أن نرى الفرص تتحول، على أيديهم، إلى إنجازات تتجاوز ما كنا نتصوره لهمز
ومن هنا جاءت أهمية الحديث عن الانضباط الذاتي. فالموهبة قد تفتح الباب، والحماسة قد تدفع إلى الخطوة الأولى، لكن الاستمرار يحتاج إلى عادات يصنعها الإنسان كل يوم: أن يفي بما وعد به نفسه، وأن ينظم وقته، وأن يعود إلى هدفه حين يتشتت. والانضباط بهذا المعنى لا يسلب الشاب عفويته أو شغفه؛ إنه يمنحه القدرة على أن يحوّل ما يحب إلى عمل ينجزه، وما يتطلع إليه إلى طريق يسير فيه.
غير أن مسؤوليتنا تجاه طلاب الجامعات لا تنتهي بإقامة ورشة أو إلقاء محاضرة. إنهم بحاجة إلى من يسألهم عما يفكرون فيه، ويصغي إلى إجاباتهم باهتمام، ويمنحهم مساحة لعرض أفكارهم ومناقشتها وتجربتها. وفي الجامعات طاقات قد تلمح حلولًا لقضايا التعليم والعمل والمجتمع إذا أُتيح لها أن تتحدث وأن تشارك. وربما تكون الفكرة التي نحتاج إليها الآن لدى طالب ينتظر فرصة ليشرحها.
عدتُ من ذلك اللقاء أكثر تفاؤلًا، وأكثر اقتناعًا بأن الاقتراب من الشباب مسؤولية متبادلة الفائدة. نذهب إليهم حاملين خبرتنا، ونعود وقد تعلمنا شيئًا من أسئلتهم ونظرتهم إلى العالم. وكلما اتسعت مساحة الحديث بينهم وبين من سبقوهم، ازدادت قدرتنا جميعًا على فهم الحاضر وصناعة ما هو أجمل منه.

