زرع صاحب «الجماهيريّة» الليبيّ، مثله مثل «اللاعب» السوريّ الشهير، بذور الانهيار إبّان طور العظمة المدّعاة. فاليوم ليبيا منقسمة جغرافيّاً ومؤسّسيّاً، لا الانتخابات الموعودة حصلت، ولم يُختبر بعد اتّفاق أطرافها برعاية الأمم المتّحدة، فيما قيمة الثروة النفطيّة يُضعفها تنازع السلطتين. وفي هذه الغضون هاجمت قوّات الشرق طرابلس في 2019، وتشكلت، بعد عام، حكومة وحدة وطنيّة ما لبثت أن نشأت حكومة توازيها.
والبلد منذ عوقب، في 1969، بانقلاب الضابط الناصريّ حينذاك معمّر القذّافي، لم تكن وحدته معطى صلباً. فإلى العنف الهائل الذي أنزله الإيطاليّون بالليبيّين، أديرَت ليبيا كوحدات إداريّة ثلاث: طرابلس غرباً وبرقة شرقاً وفزّان جنوباً، وفي 1934 وُحّدت اسميّاً بوصفها «ليبيا الإيطاليّة».
وهذا لا يعني أنّ الإيطاليّين «جزّأوا» البلد إذ كانت وحدته، في الزمن العثمانيّ، هشّة وسطحيّة، كما تنوّعت تنظيماته الإداريّة تبعاً للمناطق. هكذا تطوّرت طرابلس، الوثيقة الارتباط بتونس ومالطا، كمدينة متوسطيّة تجاريّة، ونمت برقة، الوثيقة الارتباط بمصر، ومعقلُ السنوسيّة، كمنطقة فلّاحيّة، فيما تُركت فزّان، المحاذية للجزائر والنيجر وتشاد، لشبكات القبائل الصحراويّة وقوافلها. ومع نهاية الحرب العالميّة الثانية وُضعت طرابلس وبرقة في عهدة البريطانيّين، وتسلّم الفرنسيّون فزّان.
ومنذ استقلّت البلاد في 1951 كمملكة متّحدة في ظلّ إدريس السنوسي، جثم على صدرها ثقل تفتّتها. فهي بين الاستقلال و1963 عرفت عاصمتين هما طرابلس وبنغازي في برقة. وفي 1963، مع إلغاء النظام الاتّحادي وتعزيز المركزيّة، وتجنّباً لـ«هيمنة طرابلس»، اختيرت البيضاء، البرقاويّة أيضاً، مقرّاً للحكومة، ولم يُحسم الأمر لمصلحة طرابلس إلاّ بعد انقلاب 1969. وهذا ما ضاعف استياء البرقاويّين ذوي الهوى السنوسيّ تقليديّاً، متّهمين النظام القذافيّ بتركيز السلطة والثروة في طرابلس، أكثر ممّا كان النظام السابق متّهماً بتركيزهما في برقة.
والحال أنّ السنوسي كان مهجوساً بتأليف ولاء وطنيّ يرأب التفاوت، لكنّه سلك إليه طرقاً متضاربة وعلى شيء من التجريب. ففي البداية اعترف دستوريّاً بالفوارق وتمتّعت كلّ ولاية بقدر من التشريع المحلّيّ. لكنّه في 1963 فضّل المركزيّة على الصيغة الفيدراليّة، وكان اكتشاف النفط في 1959 ما دفعه إلى اعتماد إدارة موحّدة للموارد وتخطيط السياسات التنمويّة.
وبالفعل استُخدمت عوائد النفط لإقامة بنى تحتيّة وبناء مستشفيات ومدارس وجامعات وإدارات حكوميّة، وحقّقَ التعليم قفزات هائلة، لكنّ التحوّل الاجتماعيّ الناجم عن النفط لم يواكبه بناء مؤسّسات وإقامة مجتمع سياسيّ. هكذا اقتصر الفاعلون «السياسيّون» على زعامات محلّيّة وقَبَليّة، ولم يقترن البرلمان، الذي نشأ مع الاستقلال، بنظام حزبيّ تنافسيّ.
وفي مناخ الناصريّة تعرّضت ليبيا لحملات اتّهام لعقدِها اتّفاقات عسكريّة مع بريطانيا والولايات المتّحدة في 1953 و1954، حين كانت تعتمد على المعونات الغربيّة ولم يكن نفطها قد اكتُشف. وتلقّفت تلك الحملةَ فئاتٌ شبابيّة وضبّاط، كان القذّافي أحدهم، أزاحوا نظاماً لم يصادر احتمالات إصلاحيّة ممكنة ولا أحكم إيصاد الباب في وجهها. فالسلطة الجديدة بقيت حصريّاً في يد القذّافي الذي تصرّف كنصف إله واعتبر الأحزاب شكلاً من الديكتاتوريّة، رغم توسيعه «اللجان الشعبيّة» في 1973، كصيغة في الحكم المباشر، قبل الانتقال إلى «الجماهيريّة العظمى» في 1977.
وعُقّم المجتمع ليغدو قاعاً صفصفاً ليس فيه سوى الزعيم وترّهاته وطاووسيّته وعمليّات تجميله. فالقمع كان شرعة النظام قتلاً وتعذيباً وإخفاءً واعتقالاً، وشكّلت مجزرة سجن أبو سليم في 1996، حيث قُتل 1200 سجين، إحدى ذرى سلوكه القهريّ. وإلى اقتصاد سجّل أعلى درجات الاعتماد على الريع النفطيّ، بذّر القذّافي الكثير من العائدات في دعم ميليشيات مسلّحة و«حركات تحرّر وطنيّ»، وفي السبعينات والثمانينات خاض حرباً خرقاء مع تشاد، وفاقم التوتّر مع الولايات المتّحدة والدول الأوروبيّة. وفي 1986 تعرّضت ليبيا، المتّهمة بدعم الإرهاب، لغارات أميركيّة قبل أن تخضع، إثر أزمة لوكربي في 1988، لعقوبات استمرّت سبع سنوات. لكنْ في 2003 فُرضت على القذّافي تسوية لجريمة لوكربي دُفع بموجبها 2.7 مليار دولار تعويضات للضحايا. وفي أواخر العام تخلّى عن برنامج رعاه لأسلحة الدمار الشامل، خوفاً من مصير كمصير صدّام. وإذ انفرجت علاقته بالدول الغربيّة، كانت علاقته بشعبه تزداد تردّياً. وبالفعل اندلعت مطالع 2011 الثورة في بنغازي لتتحوّل ثورة شعبيّة مشوبة بحرب أهليّة. ومع تدخّل الحلف الأطلسيّ، أواخر العام، قُتل القذّافي بعد 42 عاماً في الحكم المطلق.
لقد بني نظام شديد المركزيّة، يرى في أدنى إشارة إلى الاختلاف تهديداً للوحدة، علماً بتعاظم حساسيّتي الشرق - الغرب والصحراء - الساحل ولو في العتم. ومعروف أنّ الجنوب الصحراويّ تحديداً، حيث يقيم طوارق وتبو وإثنيّات أخرى، لم ينقطع تذمّره من تهميش الشمال. وبدوره استند النظام، الذي اشتُهر بتهديم المؤسّسات أكثر كثيراً ممّا ببنائها، إلى شبكات الولاء المضمون برشوة العوائد النفطيّة، خصوصاً بين القذاذفة والمقارحة وقبائل ورفلّة. وهذا ما يفسّر كيف اقترن سقوطه بصعود الشبكات المحلّيّة المسلّحة، وبانقسام الدولة وظهور السلطتين المتنافستين، وسط طوفان الميليشيات والتدخّلات الخارجيّة في مشهد ليبيّ كئيب.

