يلتقط المرء هاتفه الجوال بحثًا عما يطمئنه، لكن قد يجد ما يضاعف خوفه: وصفة مجهولة تعد بالشفاء، ومقطعًا غريبًا يحذر من دواء، وصوتًا واثقًا ينسف سنوات من البحوث العلمية في لحظة! هكذا تدخل الشائعة الطبية العقول بلا استئذان، على هيئة نصيحة واهتمام، وحين تصل المؤسسة الصحية بردها، تكون المعلومة الخاطئة قد تبوأت موقعها، وربما أثرت في حياة إنسان!
ليست المعضلة غياب الحقيقة، بل تأخرها، أو وصولها بلغة لا تلامس مخاوف الجمهور، الذي يستقبل المعلومة من خلاله عقله، ويؤكدها بتجاربه، والأهم ثقته بمن نقلها! ولذلك لابد للتواصل الصحي أن ينتقل من ملاحقة الشائعة إلى استباق أسباب تصديقها، ومن إصدار التصحيح إلى تعزيز بيئة تنمو فيها المعرفة وتضيق فيها على التضليل.
أدركت منظمة الصحة العالمية هذا التحدي حين تناولت "الوباء المعلوماتي"، بما يحمله من وفرة معلومات، جزء خاطئ أو مضلل، تربك الناس وتضعف الثقة، فأطلقت عام 2023م بالتعاون مع اليونيسف، دليلًا للاستماع الاجتماعي وإعداد تقارير تستخلص احتياجات الجمهور ومخاوفه.
ومن هذا الباب تأتي أهمية "التحصين المسبق" ضد التضليل، أي تعريف الناس بأساليب الخداع قبل مواجهتها، إذ لا يكفي أن نشرح كيف يعمل اللقاح، بل ينبغي أن نبين كيف يجتزئ المُضلل نتيجة علمية، ويستبدل بالدليل قصة فردية، ليستثير الخوف! وفي دراسة نشرتها مجلة "ساينس أدفانسز" عام 2022، أظهر باحثون أن مقاطع قصيرة تشرح تقنيات التلاعب حسّنت قدرة المشاركين على تمييزها، وجودة قراراتهم بشأن مشاركة المحتوى.
أيضاً قدمت تجربة وزارة الصحة السعودية شواهد تستحق الإشادة، فقد أطلقت عام 2021 حملة "لا يخدعونك"، موضحة أساليب مناهضي اللقاحات في تحريف الحقائق والخدع الإعلامية والبحثية، كما أصدرت دليلًا للأسئلة الشائعة عن لقاحات كورونا، تناول الفئات المستفيدة والأعراض الجانبية والتعامل معها، وتكشف التجربتان قيمة الجمع بين كشف أدوات التضليل وتوفير إجابة مفهومة، فالأفراد يحتاجون إلى طريق واضح للمعرفة، بقدر حاجتهم إلى التحذير من الطريق الخاطئ.
وبين الرصد والرسالة مسؤولية أخلاقية، وهي ألا نعامل المتردد بوصفه خصمًا، وألا نسخر من خوفه، مثل الأم التي تسأل عن سلامة لقاح طفلها تحتاج إلى احترام سؤالها، وشرح الأدلة وحدودها، أكثر مما تحتاج إلى توبيخها على القلق.
غير أنه مهما اتسع حضور الصوت الرسمي، لا يستطيع وحده بلوغ جميع دوائر الثقة، نحتاج إلى شبكة من السفراء المعرفيين: أطباء وصيادلة وأكاديميين، ومؤثرين مؤهلين، وأصحاب تجارب يروونها بأمانة دون تعميمها. وعلى المؤسسة أن تمد هؤلاء بمحتوى موثوق، وتدريب مناسب، ومساحة لشرح ما نعرفه وما لم نحسمه بعد، لأن الشفافية تحفظ مصداقية العلم المثبت.
والنجاح هنا لا يقاس بألف تغريدة ومئة فيديو، بل بتحسن المعرفة، وارتفاع القدرة على التحقّق، وتراجع مشاركة الادعاءات المضللة، واتخاذ قرارات صحية مستنيرة.

