: آخر تحديث

لا أُسر محصنة من هذه الآفة

4
4
4

كتبت هيذر نايت: كان صباح يوم ثلاثاء مشحوناً بالتوتر في سان فرانسيسكو، حين توجهت كريستينا لاكورت إلى غرفة نوم ابنها لإيقاظه استعداداً للمدرسة. كان الباب موصداً، لكن تمكنت من فتحه بالكسر، وفي الداخل، رأت ابنها مستلقياً على سريره، وكان وجهه يميل إلى الزرقة وعروقه بارزة، بينما كانت مادة سائلة سوداء تسيل من أنفه وفمه على ملاءة السرير. سارعت لإحضار جرعتي عقار «ناركان Narcan»، التي تحتفظ بهما في درج المطبخ تحسباً لهذه اللحظة بالذات، التي طالما خشيتها، لكن العقار لم ينجح في إنعاشه. بكت بألم وصرخت بحرقة أثناء اتصالها بالطوارئ، وتحولت شقتها، التي كانت تتسم عادةً بالجاذبية، إلى مشهد ضبابي رمادي يضج بالمسعفين وضباط الشرطة وخبراء الطب الشرعي، ورأت بألم رهيب، نُقل جثمان ابنها في كيس بلاستيكي، لتشريحها.

كانت تظن يقيناً أن ابنها توفي بسبب عقار الفنتانيل المخدّر، لكن التشريح لم يشر إليه، بل تضمن كلمة جديدة عليها تماماً: سايكلورفين cyclophane، وهي المرة الأولى التي تظهر فيها هذه المادة في تقرير الطبيب الشرعي في سان فرانسيسكو. تبيّن لها بالبحث أن العقار، غير المعروف، الذي أودى بحياة ابنها، كما أكدته الشرطة تالياً في مؤتمر صحافي، عقد للتحذير من ظهوره، هو مادة أفيونية تخليقية صناعية، أكثر فتكاً من الفنتانيل، الذي كان لا يزال يحصد أرواح العشرات في المدينة كل شهر، حيث يُعد عقار «سايكلورفين» واحداً من مجموعة جديدة من العقاقير القاتلة، التي أصبحت تغرق سوق المخدرات غير المشروعة، وتُربك المدن التي بدأت للتو في السيطرة على أزمة «الفنتانيل»، التي كانت المطربة والممثلة الأمريكية الجميلة هايدن باينتيري (36 عاماً) آخر ضحاياه. وعقار «سايكلورفين» يمكن تصنيعه من قِبَل كيميائيين هواة في أي مكان، كما يصعب تتبعه، وتُعد آثاره على جسم الإنسان أصعب من حيث إمكانية عكس مفعوله أو إبطاله.

ويشير الخبراء إلى أن «سايكلورفين» يفوق «الفنتانيل» قوةً بعشرة أضعاف. وفي حين يمكن لشرائط الفحص الكشف عن «الفنتانيل»، فإنها تعجز عن رصد «سايكلورفين»؛ كما أن إبطال مفعول هذا العقار الجديد قد يتطلب جرعات متعددة من عقار «ناركان» Narcan المضاد للجرعات الزائدة، في حين أن معظم الناس لا يحملون سوى جرعة أو جرعتين في المرة الواحدة. وقد ظهر هذا العقار في أوروبا وعلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة خلال العامين الماضيين، وينتشر وجوده وتتسع رقعته مثل الأذرع الأخطبوطية.

لا شك أن ظهور هذا العقار المخدّر والقاتل، الذي يصعب علاجه، يشكل قلقاً كبيراً للسلطات الأمنية في أية دولة، خاصة التي يكثر المال في أيدي شبابها، مثل الكويت، فهذه المخدرات يسهل صنعها، وتهريبها، وترويجها، وأرباحها الهائلة تدفع الكثير من المهربين للمخاطرة بحياتهم في تصريفها، وبالتالي ليس من العدل ترك مهمة مكافحتها على السلطات الأمنية، بل يجب علينا جميعاً مشاركتها همومها، فهي بحاجة ماسة لتعاون الأسر، بكامل أعضائها، معها، والإبلاغ عن أية حالات إدمان، لكي لا يأتي العلاج متأخراً، فما يقوم به أبطال مكافحة المخدرات، على مدار اليوم والساعة، أمر يستحق كل ثناء، وهم بحاجة للشد من أزرهم، وشكرهم على جهودهم، بعد أن وضعوا أرواحهم على أكفّهم، وهم يواجهون أشرس وأحقر المهربين، الذين يعرفون أنهم سيواجهون الموت حتماً إن قبض عليهم، لذا يقومون عادة بقتل كل من يقف في طريقهم، واستخدام أقصى وسائل العنف مع رجال المكافحة، قبل الاستسلام لهم.

نعيش في عالم يزداد خطورة كل يوم، ولا أُسرة بمنأى عن خطر المخدرات الجديدة والقاتلة، فضربات هذه الآفة تأتي غالباً لأكثر الجهات ثقة بحصانتها.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد