: آخر تحديث

إيران تحتاج إلى مصالحة نفسها

4
4
3

أول ما تحتاج إليه إيران في هذه الفترة الحرجة، أن تتصالح مع نفسها. أعني هنا المجموعات الحاكمة التي تتنازع القرار، ويستحيل أن يتعامل معها العالم على أنها صوت واحد! لا يستطيع وسيط، مهما بلغت مهارته، أن يصنع اتفاقاً مستقراً مع طرف لا يعرف مفاوضه حدود صلاحياته، ولا يطمئن شريكه إلى أن توقيعه سيلزم بقية أصحاب السلطة. أرى أن هذه العقدة هي أساس «المشكلة الإيرانية»!

خلال الأسبوع الماضي، تحدث وزير الخارجية الإيراني عن استعداد طهران لفتح مضيق هرمز خلال أسبوع، عبر مبادرة نقلها وسطاء إلى واشنطن. خبر كهذا مفرح، وظاهرياً أن مَن يعترض عليه يتحمل مسؤولية استمرار الأزمة، لكن هذا تتبعه شروط تعجيزية.

مهلة الأيام السبعة فقط لفتح المضيق الذي لم يعد مغلقاً بالكامل. وماذا عن الملف النووي، والصواريخ الباليستية، والأذرع المسلحة خارج الحدود؟ يجوز أن يبدأ التفاوض بترتيب جزئي، لكن من الخطأ تسويقه بوصفه حلاً لأصل النزاع. وإذا تضمنت الشروط حماية العلاقة العسكرية بـ«حزب الله» والحوثيين، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً: هل المطلوب تهدئة المنطقة، أم ضمان استمرار الأدوات التي أسهمت في إشعالها؟

وللجوار مصلحة مباشرة في معرفة الجواب. لبنان واليمن وطنان لهما مصالحهما، ولا يجوز اختصارهما في أوراق تفاوض إيرانية. وكل تسوية تمنح طهران حق تقرير مستقبل جماعات مسلحة فيهما، من وراء مؤسسات الدولتين، تؤجل المشكلة وتوسعها. من حق الإيرانيين طلب الأمن، ومن حق جيرانهم طلبه أيضاً. أما جعل أمن إيران مشروطاً ببقاء الآخرين مكشوفين، فهو وصفة لاستدامة النزاع.

مذكرة التفاهم بوساطة إسلام آباد، تم توقيعها من الرئيسين الإيراني والأميركي، أعقبها مباشرة استهداف سفينة في «هرمز»، فما قيمة التعهد إذا امتلك جهاز مسلح قدرة تعطيله؟ التوقيع لا يُختَبر في قاعة الاجتماع. اختباره الحقيقي يبدأ عندما تصل التعليمات إلى من يحمل السلاح، ويكون مطلوباً منه الالتزام.

ومن الأمثلة المتداولة أيضاً التناقض بشأن صلاحيات الوفد الإيراني إلى نيويورك؛ حديث عن تفويض كامل، تعقبه اعتراضات على التفاوض، ومطالبة بمحاسبة وزير الخارجية. إعلان الصلاحيات لا يغني عن وضوح المرجعية التي تمنحها وتحميها. المفاوض الذي يخشى خصومه في الداخل، قد ينفق جهده في تحصين نفسه، أكثر مما ينفقه في تقريب المسافات مع الطرف الآخر.

كتاب محمد جواد ظريف «صمود الدبلوماسية»، وللعلم كان يريد أن يكون عنوانه كما قال في المقدمة «شفاه باسمة وكبد دام»! ولكنه تراجع خشية الهجوم عليه. هذا الكتاب مفيد لفهم هذا الجانب من الصراع الداخلي؛ فقطار السياسة الإيرانية «لا مقاعد مضمونة فيه» كما قالت المقدمة. صاحبه قضى ثماني سنوات في وزارة الخارجية، وعرض تجربته مع تعقيدات السياسة الداخلية والعمل الدبلوماسي في إيران. وقيمة هذه الشهادة أنها تأتي من داخل الحكم. لكنها، في تقديري، تدعونا أيضاً إلى الحذر من تفسير كل تناقض إيراني على أنه حيلة تفاوضية محكمة، كما يقول لنا بعض المحللين. أحياناً نبالغ في نسبة الذكاء إلى سلوك يفسره التنافس والعجز عن الاتفاق.

أعتقد أن جانباً من الأزمة يعود إلى طريقة توزيع السلطة. تعدد المؤسسات التي صممت لحماية النظام أصبح عقبة، لا تضبطها قواعد معلومة، خاصة في غياب المرشد الكاريزمي. أمام تعدد الجهات القادرة على الاعتراض، مع غموض المسؤولية عن النتائج، ويمكن تعطيل أي قرار، فتداخل الصلاحيات الذي وضع في حسبانه وسيلة التعدد لمنع احتكار القوة أو تهديد النظام من داخله، أصبحت طريقاً لضعف النظام نفسه. وتبين أن ما يخدم بقاء جماعات الحكم يضر بقدرة الدولة على اتخاذ قرار تحتاج إليه البلاد.

ولا يصح اختزال المشهد في فريق دبلوماسي يريد السلام، وفريق عسكري يرفضه. داخل المؤسسة الواحدة قد تتباين المصالح والتقديرات، ويتغير موقف الشخص نفسه بتغير موقعه وحساباته. لذلك؛ تبدو عبارة «قررت طهران» أوسع من الواقع أحياناً. أي جهة قررت؟ ومَن وافق؟ ومَن يملك التنفيذ؟ هذه أسئلة عملية لأي وسيط، وليست ترفاً أكاديمياً أو ذريعة لإغلاق باب الحوار. ولا نحتاج إلى الادعاء بمعرفة ما يقوله الوسطاء خلف الأبواب. يكفي النظر إلى ما يحتاجون إليه لإنجاح مهمتهم: طرف يستطيع تقديم التزام وتنفيذه. أما الجوار، فلا يستطيع تعليق أمنه وتنميته على انتظار نهاية صراع داخلي لا يملك التأثير فيه. قد يدفع التضييق الاقتصادي أصحاب القرار إلى تسوية خلافاتهم، وقد يحدث العكس؛ فتزداد المزايدات، ويتبادل المتنافسون اتهامات التفريط، وتنتقل التكلفة إلى المواطن الإيراني. لا توجد نتيجة مضمونة للعقوبات، كما لا توجد ضمانة بأن الوقت وحده سيصلِح هذا الخلل.

ما يمكن قوله، إن استمرار الأزمة يجعل التسوية أشد ضرورة، لكنه لا يجعلها تلقائياً أقرب. نحن أمام سنوات من الصراع، والتصالح المطلوب بين الفرقاء الإيرانيين ليس قريباً، سوف يمر بصراع داخلي من أجل انتصار مجموعة على سائر المجموعات. والاتفاق على مصلحة وطنية، لا يتجاوزها السلاح خارج القرار العام. وهذا يبدأ باعتراف الحكام بأن تكلفة تنازعهم لم تعد شأناً داخلياً، بعدما طالت مصالح المنطقة وحياة شعوبها. عندها يعرف الإيراني ما الذي تريده دولته، ويعرف جاره مع من يتفاهم. آخر الكلام: بقاء كل التزام عرضة للنقض من الداخل، يجعل الأفق السياسي ضيقاً مهما كثرت المبادرات. البداية اتفاق إيراني مع إيران.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد