: آخر تحديث

الحلم الأوروبي الذي هوى

3
4
3

من عرف أوروبا قبل نشوب الحرب الروسيّة - الأوكرانية، شتاء 2022، يدرك تمام الإدراك كم كان الإنسان الأوروبي سعيداً بحالة السلم التي يعيشها، مع شعور عميق بأنّ فكرة الحرب أضحت ذكرى بعيدة من ذكريات الماضي المأساوي الطويل، الذي لن يعود أبداً، وأنّ «القارة القديمة» دخلت أخيراً زمن السلم والاستقرار النهائيّين. وبعد سقوط جدار برلين خريف 1989، وانهيار المعسكر الاشتراكي، انتهت «الحرب الباردة» وتكرّست فكرة السلم الأوروبي أكثر من أيّ مرّة أخرى في التاريخ. فذلك الجيل الأوروبي الغربي الذي عايشناه كان أوّل جيل في تاريخ هذه القارة لم يشهد حرباً في حياته. لذلك، كانت لديه «رؤية مثالية» للعالم، تبعده في أحيان كثيرة عن حقائق الدنيا القاسية، مع شيء من الوهم، أو الرغبة في الاعتقاد، بأنّ شعوب العالم كلّها تحمل في نفسها ما يشبه رؤيته.

كان الإنسان الأوروبي متمسّكاً بهذه «الرؤية المثالية» لأنّها شكّلت له أخيراً واحة طمأنينة وأمان، بعد ماضٍ جماعيٍ مثقل بجنون القوميات والآيديولوجيات التي قادت شعوبها إلى الكوارث المرعبة. فأوروبا، التي نقلت نفسها منذ القرن الخامس عشر، بفعل نهضتها الثقافية الكبرى، من القرون الوسطى إلى الأزمنة الحديثة، ونقلت معها معظم العالم، وأنتجت ثورة معرفية وقيمية وعلمية ومجتمعية وسياسية واقتصادية وتكنولوجية وعسكرية أتاحت لها السيطرة الاستعمارية على كافّة أنحاء المعمورة، هي ذاتها التي، بعد وصولها إلى أوّج قوتها، دمّرت نفسها بنفسها في النصف الأوّل من القرن العشرين. فالحرب العالمية الأولى، ثم الحرب العالمية الثانية، اللتان سقط خلالهما من الضحايا ما يصعب تصوّره: نحو مائة مليون قتيل عسكري ومدني، ونتج عنهما دمار مادّي وعمراني وتراثي وثقافي يفوق الوصف، كانتا في الحقيقة حربين أهليتين أوروبيتين. صراع مهول بين القوميات الألمانية والفرنسية والبريطانية والإيطالية والروسية والنمساوية، والآيديولوجيات الديمقراطية الليبرالية والنازية والفاشية والشيوعية، جرّ معه إلى الأتون نفسه السلطنة العثمانية والولايات المتحدة الأميركية واليابان. ماذا كانت النتيجة؟ فوق هذا البحر الشاسع من الآلام والدمار، فقدت أوروبا سيطرتها على العالم، ليحلّ محلها قطبان جديدان: الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. فالمرء يكاد ينسى أن القوتين العظميين المسيطرتين على العالم عام 1938 كانتا بريطانيا وفرنسا. وبعد سبع سنوات فقط، عام 1945، أخذت مكانهما أميركا وروسيا. كانت أوروبا قد أنهكتها حروبها الكبرى، التي تبدو الآن جنوناً عبثياً، هيمن على مصائر الشعوب الأكثر عقلانية وتقدّماً في التاريخ الحديث، بحيث يستغرب العقل أن يكون حدث ذلك حقاً.

لكن الذات الأوروبية التي اعتقدت أنها استقرّت نهائياً في واحة السلام، فتخلّت عن التجنيد الإلزامي، وخفّضت نفقاتها العسكرية إلى حدّ بعيد، وتوحّدت في مجموعة أوروبية كبرى، مشرَّع بعضها تماماً على بعض، وفتحت أبوابها لملايين المهاجرين، وسط الاعتقاد الراسخ بزوال صراع القوميات وآيديولوجياتها المدمِّرة إلى غير رجعة، غاب عن بالها أنّ ثمّة قومية هي القومية الروسية، ما زالت متحفّزة وراغبة في الردّ على انهيار إمبراطوريتها السوفياتية وفي استعادة ما يمكن استعادته من أنحاء استقلّت عنها.

هكذا، استفاقت أوروبا ذات صباح قارس من شتاء 2022 غير مصدّقة النبأ المذهل بأن جحافل الدبابات الروسية اجتازت الحدود الأوكرانية، شاقّةً طريقها الطويل وسط العواصف والثلوج إلى كييف، قبل أن تضطّر إلى التراجع. كانت تلك بداية هذه الحرب بين الشعبين الشقيقين، التي لا مبرّر حقيقياً لها في نظر العقل، شأنها شأن الحروب الأوروبية السابقة، وقد سقط خلالها حتى الآن مئات آلاف القتلى وملايين الجرحى والمشوّهين والمفقودين من الروس والأوكرانيين. هكذا، رأت أوروبا نفسها أمام قرار بالغ الصعوبة: هل تدعم أوكرانيا عسكرياً ومادياً بتكلفة عالية وسط ظروف اقتصادية صعبة، أم تدع أوكرانيا لمصيرها، فتصبح روسيا المنتصرة على أبواب أوروبا، ولا أحد يدري أي باب ستقرع من جديد؟ اتخّذ الأوروبيون الخيار الأول وسار في ركابهم الأميركيون. وحتى الأمم الأوروبية المجاورة لروسيا والمحايدة تاريخياً، كفنلندا والسويد، سارعت إلى دخول الحلف الأطلسي خوفاً من المستقبل.

هكذا، هوى حلم السلام الأوروبي. وللمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، يخشى الأوروبيون نيران الحرب المقتربة منهم أكثر فأكثر، مهدّدة جوهر«مثاليتهم» وكلّ ما ترسّخ لديهم من استقرار وطمأنينة وآمال منذ أكثر من نصف قرن.

ومع أن الحماسة الشعبية الفرنسية الكبيرة لزيارة البابا ليو الرابع عشر لباريس، الذي فاجأ العالم، تحمل أبعاداً داخلية وخارجية كثيرة، فمن أهمّ معانيها التعبير عن القلق الأوروبي العميق أمام شبح الحرب الذي يلوح في الأفق.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد