خارج أسوار غرف العناية المركزة، تدور في صمت "دراما إنسانية" معقدة لا يدرك تفاصيلها سوى من تقطعت بهم السبل على قوائم انتظار الأمل. فبينما يمثل "الموت الدماغي" نافذة فرصة أخيرة لإعادة نبض الحياة في أجساد آخرين أنهكهم المرض، تصطدم هذه النافذة أحياناً بأسوار من الصدمة العائلية المفاجئة. وما بين رغبة إنسانية نبيلة وثقها متبرع في حياته عبر التطبيقات الرقمية، وحق قانوني تمنحه التشريعات الحالية للعائلة بنقض هذه الوصية، تتولد فجوة إحصائية قاسية تجعل مجتمعنا -الذي عُرف بالشهامة والتلاحم والتراحم- يقف في مراتب متأخرة عالمياً في التبرع من المتوفين دماغياً، رغم تصدره لقوائم التبرع بالأحياء.
إن الأرقام التي يعلنها المركز السعودي لزراعة الأعضاء تستدعي وقفة تأمل مسؤولة؛ فأن تصل نسبة الرفض العائلي لإتمام التبرع بعد وفاة عزيزهم إلى نحو سبعين بالمئة نتيجة صدمة الفقد المفاجئ، فهذا يعني ضياع فرصة حقيقية لإنقاذ أرواح بشرية أثقلها الألم. فعملية وفاة دماغية واحدة تكفي وحدها لإنقاذ حياة تسعة أشخاص، بينما يكلفنا التردد والنزاع الأسري طاقات هائلة من المعاناة، ناهيك عن الكلفة المالية الطائلة للرعاية الحرجة التي تكلف الخزينة أرقاماً طائلة يومياً للمريض الواحد في أسرّة العناية المتقدمة، فضلاً عن إرهاق المنظومة الصحية ودفع البعض دفعاً نحو براثن السوق السوداء وعصابات تجارة الأعضاء الدولية التي تقتات على آلام المحتاجين والضعفاء.
لقد تجاوزت المملكة مرحلة البنى التحتية التقنية بإطلاق منصة "أثر" الرقمية للربط اللحظي بين المستشفيات وقوائم الانتظار بشفافية تامة ومنع أي وساطة، وأصبحت التشريعات بحاجة ماسة اليوم إلى خطوة أجرأ تحسم هذا التردد، فمن الناحية الشرعية، تُعد رغبة الإنسان في التبرع بأعضائه قبيل وفاته وصية موثقة واجبة النفاذ، تماماً كأحكام الوصايا المعتبرة، وحين نمنح العائلة حق إلغاء هذه الرغبة بحسن نية لمواساة مصابهم، فإننا دون أن ندرك نحكم على آخرين بالموت المحقق وهم ينتظرون طوق نجاة مشروعاً.
إن الحل لا يكمن في فرض النظام قسراً، بل في هندسة وعي اجتماعي جديد يبدأ من المنزل؛ عبر مشاركة بطاقة التبرع مع العائلات في الحياة لتحويلها إلى ميثاق عائلي يسبق لحظة الفاجعة ويزيل رهبة المفاجأة. وإلى جانب ذلك، فإن تعظيم قيمة المتبرعين وذويهم لا ينبغي أن يتوقف عند منح الأوسمة الرفيعة أو المزايا الخدمية الممتازة فحسب، إذ يجب أن يتحول إلى ثقافة مجتمعية تحتفي بهم في كل مفاصل الحياة العامة، عبر تخليد أسمائهم على قاعات المستشفيات وميادين الشرف الطبي.. إننا أمام اختبار حقيقي لإنسانيتنا وتراحمنا؛ فإحياء نفس واحدة هو في ميزان القيم الإنسانية والدينية عمل عظيم، وما لم نتحرر من ثقافة التردد إلى ثقافة المبادرة الواعية، ستظل أعضاء قادرة على صنع الحياة تذوب سدى في مهب الفهم القاصر والصدمة المؤقتة.

