: آخر تحديث

هل اختفت الحارة؟

2
3
2

تمر المجتمعات الإنسانية بمراحل تغيير تستجيب لعوامل اجتماعية وثقافية وعلمية تؤثر على نمط الحياة والعلاقات الاجتماعية ووسائل التواصل والترفيه، وكذلك وسائل التنقل بين الحارات حيث كان المشي هو الوسيلة الأبرز في المدن الصغيرة.

في زمن مضى لم يكن البيت والمدرسة هما فقط مصدر التعلم والتربية وبناء العلاقات واكتساب المهارات، كانت الحارة أيضا تقوم بدور مهم في هذا المسار.

الحارة؛ تلك المساحة الصغيرة التي تضم بيوتا متجاورة يقيم ساكنوها علاقات ودية يسودها الحب والتعاون والمشاركة في المناسبات والثقة لدرجة أن بعض البيوت المتجاورة تربط بينها فتحة كانت تسمى نقبة تتيح للجيران تبادل الزيارات.

الحارة كانت ساحة مفتوحة للأطفال والشباب للتعلم والترفيه من خلال ألعاب متنوعة، كان الصغار والشباب يمارسون ألعابا شعبية معظمها ذات طابع جماعي مثل أم تسع، وطاق طاق طاقية وغيرها كثير. ربما كانت البيوت الصغيرة وعدم توفر وسائل ترفيه داخل البيت أحد الأسباب التي تدفعهم للخروج إلى الشارع. وقد نقول الآن شكرا لعدم توفر تلك الوسائل لأنها أتاحت للأطفال والشباب التعرف على ظروف الحياة والتعلم من كبار السن.

كان الكبار في الحارة آباء للجميع وقدوة للجميع، وكان لهم تأثير تربوي غير مباشر في توجيه الأطفال نحو المساجد للصلاة وقراءة القرآن.

في هذا الزمن؛ هل نقول إن توفر وسائل الترفيه داخل البيت حرمت الأبناء من متعة الحارة والعلاقة مع أبناء الجيران؟ هل نقول إن الآباء والأمهات في زمن الحارة لم يكن ينتابهم القلق من خروج الأبناء إلى الشارع بينما يحدث العكس الآن؟ هل أصبحت الحدائق والأسواق الكبيرة أو المراكز التجارية ومدن الترفيه هي البديل عن الحارة؟ وهل يحصل فيها التعارف كما كان يحدث بين أبناء الحارة؟

اتسمت العلاقة بين أبناء الحارة بالتأسيس منذ مرحلة الطفولة، ولهذا كانت تتحول إلى صداقة عميقة، ويكفي أن يقول الشخص عن صديقه نحن عيال حارة واحدة لتدرك قوة هذه الصداقة. الزيارات لا تحتاج إلى مواعيد، والكرم ليس فيه إسراف، والأحاديث لا تقاطعها الهواتف المحمولة.

الحارة الآن موجودة؛ لكن الأطفال لا يخرجون من البيت، قيّدتهم وسائل الاتصال والترفيه الحديثة وربما قلق الوالدين من خطر السيارات التي لم تكن بنفس الكم في زمن مضى. توفرت لهم مساحات بديلة يخرجون إليها؛ لكنهم قد لا يكتسبون علاقات جديدة. البديل الآخر هو المدرسة، وهي مرحلة مهمة في حياة الإنسان في المسارين المعرفي والتربوي، وتقوم بدور يتكامل مع دور الأسرة في بناء الشخصية وتأسيس القيم واكتشاف القدرات وتعزيزها، وهو دور لا يستغني عن دور الحارة. مستقبل الطالب مسؤولية مشتركة تتعاون في القيام بها الأسرة والمدرسة والحارة.. ولذلك سنختم بسؤال مختلف عن عنوان المقال: هل اختفى تأثير الحارة في حياة الناس؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد