جولة جديدة من معاركِ اليمين واليسار في البرازيل تبدأ اليوم (الأحد)؛ حيث تفتح مراكزُ الاقتراع أبوابَها لاستقبال الناخبين، في معركة انتخابات رئاسية أخرى وضارية، بين الرئيس الحالي لولا دا سيلفا ومرشح التيار البولسوناروي فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، السجين حالياً.
وتشير نتائج استطلاعات الرأي العام إلى تقارب بين المتنافسَين؛ الأمر الذي يعني أن الحسم في الجولة الأولى غير مضمون، وأن جولة إعادة ستُجرَى في 25 أكتوبر (تشرين الأول)، إن لم يحصل أحدهما على أغلبية مطلقة.
وكان جايير بولسونارو الأب قد خسر الانتخابات الماضية بنسبة ضئيلة من الأصوات، ثم اتُّهم بالتآمر للقيام بانقلاب عسكري، وحُكم عليه بالسجن فترة طويلة. وفي هذه الانتخابات يخوض ابنه فلافيو المعركة مرشحاً للرئاسة عن الحزب الليبرالي اليميني.
الانتخابات الرئاسية تأخذ في كل بلد شكلاً خاصاً بها، يتسق مع طبيعته وتنوعاته العِرقية والطائفية، وفي العادة يكون الموقف من الاقتصاد بقضاياه المتعددة حاضراً في جميعها. والبرازيل لا تختلف عن غيرها من البلدان، إلا أن التقارير الإعلامية ذكرت مؤخراً أن المعركة الانتخابية انعطفت –كسابقتها- نحو الطائفية الدينية، بإشعال نار الفتنة بين الكاثوليك والبروتستانت.
الحرب بأشكالها وتنوعها تعتمد على الخدع والشائعات والكذب، إلى درجة أن الحقيقة لا تجد لها موطئ قدم، والحملات الانتخابية لا تختلف في ذلك. فقد تمحورت الحملات الانتخابية في الأيام الأخيرة حول مواجهة سياسية ذات بعد طائفي بين الكاثوليك والإنجيليين (البروتستانت). فالرئيس لولا ينتمي إلى الكنيسة الكاثوليكية، بينما يستند منافسه إلى الكتلة الإنجيلية، الأمر الذي يذكِّر بانتخابات عام 2022.
الشرارة كانت شائعة ظهرت في مواقع التواصل الاجتماعي، مفادها أن فلافيو بولسونارو، إن فاز، سيجرِّد «سيدة أباريسيدا»، القديسة التي يعدُّها الكاثوليك راعية البلاد، من لقبها. وكان فلافيو قد قال في تسجيل مصوَّر بتاريخ 23 أغسطس (آب)، إنه سيعلن أن البرازيل مِلكٌ للمسيح، فتناقل أنصار الرئيس لولا هذا التصريح على أنه إشارة إلى نيته المساس بالقديسة. ونفى فلافيو الاتهام بشدة، ووصفه بأنه أكبر خبر كاذب في الحملة، وقال إنه كان يقصد عملاً رمزياً كالصلاة.
ومن المعروف أن رئيس الجمهورية لا يملك صلاحية سحب هذا اللقب، فهو من اختصاص الفاتيكان. ولكن نفيه كان صرخة في وادٍ؛ إذ سرَت الشائعة بسرعة. ويرى محللون أنها قد تُضعف حظوظه بين الكاثوليك، وإن كان حجم أثرها لن يتضح إلا يوم الاقتراع.
البرازيل مقسومة طائفياً بين الكاثوليك والبروتستانت قسمة غير متساوية عددياً. فقد كان البروتستانت أقلية صغيرة، إلا أن نسبتهم ارتفعت -وفق تعداد عام 2022- إلى نحو 27 في المائة من السكان، بعد أن كانت 9 في المائة عام 1991، مقابل نحو 57 في المائة للكاثوليك. وأصبحوا قوة سياسية ذات نفوذ، وتمكنوا من الوصول إلى حكم البلاد بقيادة الرئيس السابق جايير بولسونارو.
واستناداً إلى ما نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز» في عددها الصادر الخميس، أشار الرئيس المرشح لولا دا سيلفا إلى المسألة في خطاب ألقاه يوم الاثنين الماضي، من دون أن يسمِّي منافسه، وأعلن لأنصاره أنه لن يسمح لأحد بالاستخفاف بالقديسة الراعية ما دام رئيساً.
ووصل الأمر إلى القضاء؛ إذ تقدَّم محامو فلافيو بشكوى إلى السلطات الانتخابية. وأمر قاضٍ بحذف المنشورات المتداولة، ثم ألغى قاضٍ ثانٍ القرار بعد يومين، قبل أن يعيد قاضٍ ثالث العمل به. وعقدت المحكمة الانتخابية العليا جلسة بشأن الموضوع دون أن تحسمه، في فصل جديد من صراع القضاة في البرازيل.
وأياً كانت النتيجة، فإن ما كشفته هذه الحملة أعمق من هوية الفائز. فإنْ حُسمت المعركة لصالح الرئيس لولا، فسيعدُّ أنصاره ذلك انتصاراً على خطاب الاستقطاب الديني، ولكن البلاد ستظل منقسمة بين معسكرين لا يثق أحدهما بالآخر. وإن فاز فلافيو بولسونارو، فسيجد نفسه رئيساً لبلد جُرحت فيه مشاعر شريحة واسعة من الكاثوليك، بفعل شائعة لا أساس لها في تصريحاته، ولم ينفع معها النفي والتوضيحات. وإن أفضت الجولة الأولى -كما تُرجِّح استطلاعات الرأي- إلى جولة إعادة، فسيمتد أوار هذه المعركة أسابيع أخرى، وتزداد معه الشائعات والخدع التي تُصنَع في الفضاء الرقمي أكثر مما تُصنَع في المنابر.
وفي كل الاحتمالات، يبقى الاختبار الحقيقي لما بعد إعلان النتائج: هل يقبل الخاسر الهزيمة؟ أم تتكرر مشاهد الطعن في نزاهة الاقتراع التي عرفتها البرازيل بعد انتخابات 2022؟

