: آخر تحديث

«اعترافات جنبلاط» ودروسٌ من التاريخ

1
1
1

لم يكن نشرُ الزعيم اللبناني وليد جنبلاط مذكراتِه المعنونةَ «مصيرٌ في المشرق... من الحرب الأهليّة إلى السلام الهش» مجرّدَ روايةٍ عاديّة لحروبٍ عبثيّة فرضتها وقائع التاريخ وصيرورة التدافع البشري نحو النفوذ والبقاء؛ وإنما تضمّنت بالإضافة إلى ذلك مجموعةً من الدروس المكثّفة التي أراد نشرها بين الأجيال العربية للاعتبار منها، فهو قارئٌ مولعٌ بالتاريخ؛ يأخذ منه كثيراً من الخطط بغية تدبيرِ شؤون طائفته، أو إعادةِ التموضع وفق التحديّ المستجد... فهو كما ورِث انكسارات العائلة، تعلّم أيضاً من حِكمها، فوالده كمال جنبلاط هو القائل: «أن تكون لبنانياً يعني، قبل كل شيء، أنك يجب أن تفهم مَن أنت، وما هو لبنان».

لطالما عُرف وليد جنبلاط بأنه صاحب المقولاتِ المكثّفة المختصرة، لكن أن يدخل في مجال سرد القصص وروايتها بالتفصيل، فهذا مشوّق لكل الصحافيين والسياسيين المهتمين بالتاريخ الحديث وحِقبه وتحدياته.

ثم عضّد جنبلاط كتابه بحلقاتٍ تلفزيونيةٍ روى فيها بعضَ القصص التي لم ترد في الكتاب، وكثيراً من الطرائف والمواقف العفوية، واليوميّات التفصيليّة في تاريخ صراع الزعامات اللبنانية. ولكن ما المهم في كل هذا الذي طرحه وفي هذا التوقيت تحديداً؟!

لقد تمكّن جنبلاط من تجاوز الحَرَج الذي تواطأ على امتثاله بعض الزعامات اللبنانية، حيث طرحه تاريخ حروبه بشكلٍ واضح وبجرأةٍ عالية، فهو؛ كما يعبّر الأستاذ سمير عطا الله: «الدرزي الأكثرُ شهرةً منذ سلطان باشا الأطرش. يتحدَّر من طائفة أقلية، ويتزعّم، مثل أبيه، الحركة الوطنية بكل طوائفها. ويتجاوز حجم نفوذه السياسي المراحل التي مرَّ بها لبنانُ منذ الحرب الأهلية، التي تضمَّنت (حرب الجبل)؛ أي معركة الزعامة بين الموارنة والدروز. فرضَ وليد جنبلاط على الساحة اللبنانية وجوداً دائماً لم يغب لحظة واحدة. وهذا الحضورُ لبنانيٌّ دائماً، وعربيٌّ خصوصاً، ودوليٌّ عند الضرورة، من خلال عضوية (الاشتراكية الدولية). يقول خصومه إنَّه متقلب. وهذا سرّه الأهم... أي حنكته السياسية وبقائية العواصف اللبنانية. أما ثوابته، فمثل الجبل».

الأمرُ الآخر المهم في نظري تفريقُه بين علمانيّته التي تكوّن عليها؛ تربيةً وتعليماً، وبين الاستبسال في حفظ إرث العائلة، والحفاظ على هذه الطائفة الدرزية. من هنا، فإن درزيّته السياسية هي التي أبقت على مجتمع الدروز. وما أخفى خسارته بعض الجولات، ولكنه في الوقت نفسه تحدّث عن الانتصارات والتحالفات العجائبية التي مكّنتْه من تحقيق هدف البقاء. بمعنى آخر، فإنَّ درزيته أصيلة ذات بعدٍ وطني، فهو تزوج بمسيحية وسُنيّتين، ومن سلالةِ جدّه شكيب أرسلان، وبنى مسجداً في المختارة على اسم جده. القصد أن المعاني الطائفية الغريزية ليست ضمن قاموسه الميداني في عوالم الحروب والسياسة، بل أخذها بالمعنى الأعم؛ أي الحفاظ على الآصرة الكليّة للدروز.

ليست الفكرة من رواية التاريخ توريث الأحقاد، فهذه حجّة يستعملها بعض الزعماء اللبنانيين للهروب من الاعترافات الضرورية المهمة بعد كل هذا التاريخ. بيد أن الفكرةَ الأهم توريثُ الأجيال مجموعةً من الوثائق والأحداث والمصاعب، ومن ثمّ عليهم الانطلاق منها نحو آفاقٍ أرحب من أسوار الطائفية العقائدية التي تنقُضُ مفهوم الدولة، وتنخر في مفهوم التعاقديّة الاجتماعيّة، وتصعّبُ من التفاهمات البينية داخل المجتمع الواحد.الخلاصة: ما طرحه وليد جنبلاط مفيد للباحث والمهتم؛ لذلك طالب بقيّة الزعماء بالحديث عن تلك المراحل الصعبة، والرحلات الوعرة، من دون تلكؤٍ أو تردد، فالأجيال الحاليّة تسمع لتغذّي تجاربها التاريخية، فقصص التاريخ لا تورِّث الأحقاد كما يتحجَّج البعض، بل إن في تدريب الناس على سماع تاريخهم ترسيخاً لهم في الدربة والمُكْنة من إبصار الواقع بمجاله الأعم واستشراف المستقبل الذي يتمنّونه ويحلمون به.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد