: آخر تحديث

من يبيع الذهب؟.. ومن يشتريه؟

1
1
1

منذ آلاف السنين وشغف الإنسان بالذهب لم يفتر يوماً، وأصبح في المئة سنة الأخيرة، مصدر أمان من تقلبات الزمان، وهذا دفع أسعاره إلى التصاعد، خاصة في السنوات الـ25 الأخيرة، بحيث تجاوز ثمن أونصة الذهب 5000 دولار، نتيجة الطلب المتزايد من الأفراد والبنوك الكبيرة والمركزية، وكبار مديري الاستثمار، وصناديق التحوط، والسبب الرئيسي لذلك يعود لتزايد الشكوك حول الأسهم والسندات والدولار، في ظل استمرار عدم الاستقرار، والحروب وتقلبات الأسواق، وانعدام الأمان.

دفع هذا الهوس في اقتناء الذهب، وقلة مصادره الشرعية، لأن تتجه جهود التعدين للأنشطة المدمرة، بحثا عن الذهب، الذي يُموّل الإرهاب، والإجرام والحروب الأهلية الوحشية في السودان والغزو الروسي لأوكرانيا، ودفع حتى أكثر المؤسسات رصانة مثل دار سك العملة الأمريكية Us Mint التي يفترض قانوناً ألا تستخدم غير الذهب الأمريكي في عملها، لشرائه من عصابات المخدرات، التي تستخرجه من مناجم تُديرها عصابات كولومبية معروفة، تستخدم الزئبق لفصل الذهب عن الرمل، وهي طريقة غير قانونية ومدمرة للبيئة. كما تستخدم هذه العصابات، ومنها «ديل غولفو» عائداتها للحفاظ على سيطرتها على أراضيها. ومن المفترض ألا تُسهم مؤسسات مثل دار سك العملة الأمريكية في مثل هذه الأمور. فلدى كبار بائعي الذهب الذين يزودون الحكومات الثرية والمستثمرين سياسات مُفصّلة لمنع دخول الذهب غير المشروع إلى سلسلة توريدهم، وهناك جهات أمنية متفرقة لتطبيق القانون وفرض تلك السياسات.

لكن يبدو أن «دار السك» الأمريكية، وغيرها، كما بيّن تحقيق «نيويورك تايمز»، غضت الطرف عن شراء الذهب، حتى غير الأخلاقي أو غير قانوني منه، وبالتالي تقوم دار سك العملة الأمريكية، بإصدار عملات معدنية تحمل تصميم سيدة الحرية من ذهب مُستخرج من محال الرهونات المكسيكية والبيروفية، ومن منجم كونغولي تملك الحكومة الصينية جزءًا منه، وفقًا للسجلات والمقابلات.

كما أن بعض ذهب دار السك يأتي من شركة في هندوراس استخرجت الخام من مقبرة للسكان الأصليين. وتستطيع دار سك العملة فعل ذلك بفضل بعض الحيل التقنية التي تتضمن سلسلة طويلة من الموردين، واللجوء لإعادة تعريف مصطلح «الذهب الأمريكي» ليشمل الذهب الأجنبي، شريطة أن يشتري مورد الذهب الأجنبي أيضًا الذهب الأمريكي.

يتبين من انتشار هذه الممارسة إلى صعوبة إيقافها. فالذهب سلعة مغرية، حيث نجد في الطرف الآخر من سلسلة توريده، أن عمال المناجم، الذين يكدحون في التراب مقابل بضعة غرامات من الذهب يومياً، يحصلون على حوالي 90 % من سعره. وبين عامل المنجم ومصفاة التكرير، يوجد وسيط صغير، ويوجد مُصدّر في كولومبيا، وشركات أمن وأخرى للنقل، ووسيط في تكساس، ويحصل كل طرف على حصة ضئيلة من الأرباح؛ فلا يتبقى الكثير عند وصول الذهب إلى مصفاة التكرير الكبرى. وبما أنهم لا يستطيعون رفع السعر، فإن السبيل الوحيد لزيادة الأرباح هو أن يقوم جميع أطراف السلسلة، من عامل المنجم إلى الوسطاء إلى المصفاة، بمعالجة كميات أكبر، حتى لو تضمنت تدميراً للبيئة.

في هذا النوع من الأنظمة، قلّما تجد من يرفض حتى الإمدادات المشكوك فيها. وهكذا تستمر الحلقة المفرغة التي تغذي كل هذا القلق الذي يدفع إلى شراء الذهب، مما يرفع سعره، ويغذي التعدين غير القانوني، ويمول الإرهابيين والمخدرات والأنظمة الدكتاتورية.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد