ماجد قاروب
تُعد مهن المحاماة والهندسة والطب والمحاسبة من أهم المهن الحرة التي تقوم عليها المجتمعات الحديثة فكل مهنة منها تقوم على العلم والدراسة والتدريب والترخيص النظامي الذي يمنح صاحبها حق ممارسة اختصاصه وخدمة المجتمع في مجاله.
فالمحاسب يدرس العلوم المالية والمحاسبية ثم يخضع لإشراف الهيئة السعودية للمراجعين والمحاسبين ويعمل في إعداد الميزانيات والتقارير المالية ومراجعة الحسابات ويُرخص له بممارسة المهنة واعتماد القوائم المالية التي تُبنى عليها قرارات الشركاء والمستثمرين وتوزيع الأرباح.
والطبيب يدرس الطب سنوات طويلة ثم يتخصص ويتدرج في الممارسة ويتبع الهيئة السعودية للتخصصات الصحية حتى يُرخص له بالعلاج وإجراء العمليات الجراحية وهو الذي يطلب الأشعة والتحاليل ويقوم بالفحص والتشخيص ثم يصف العلاج أو يتخذ القرار الطبي المناسب ويُبلغ المريض وذويه بنتائج العمليات التي يدخلها فقط هو وزملاؤه والممارسين الصحيين المختصين دون سواهم باعتبارهم المختصين المؤهلين لذلك دون غيرهم.
أما المهندس التابع للهيئة السعودية للمهندسين فهو الذي يستمع إلى احتياجات العميل ويحول الفكرة إلى مخططات ورسومات هندسية سواء لبناء منزل أو ناطحة سحاب أو مصنع أو محطة طاقة ويشرف على تنفيذ الأعمال وفق الأصول الفنية والهندسية التي رُخص له بموجبها.
ويبقى المحامي المرخص له من وزارة العدل والتابع للهيئة السعودية للمحامين من أهم أصحاب المهن الحرة وأكثرهم ارتباطاً بحياة الناس اليومية رغم أن كثير من المجتمعات ما زالت تحصر دوره في حضور المحاكم والترافع في القضايا فقط بينما الحقيقة أن عمل المحامي يبدأ قبل الوصول إلى القضاء بوقت طويل.
فالمحامي هو مستشار الحقوق والالتزامات وصاحب الاختصاص في صياغة العقود وتقديم الرأي القانوني وحماية الأفراد والشركات من الوقوع في النزاعات والأخطاء النظامية وإعداد العقود والاتفاقيات والوثائق الخاصة بجميع الأعمال والأحوال والتصرفات وهذا الشق الاستباقي أي الاستشاري أهم وأكثر خطورة وأهمية من العمل القضائي حيث يتعامل مع مختلف القضايا والتخصصات من القضايا التجارية والجنائية والعمالية إلى قضايا الأحوال الشخصية من نفقة وحضانة وميراث وتركات مرورًا بالقضاء الإداري وعقود الدولة وقضايا البنوك والتأمين والأوراق المالية والزكاة والضرائب والجمارك والجرائم المالية وغسل الأموال والأخطاء الطبية والملكية الفكرية وقضايا المقاولات والمشاريع الهندسية وغيرها.
في ساحات القضاء لا يعمل إلا ركنان أصيلان القاضي والمحامي، قاضٍ جالس يفصل في النزاع ويُصدر الحكم ومحامٍ واقف يدافع عن الحقوق ويعرض الوقائع والدفوع والأسانيد النظامية وكلاهما يؤدي رسالة العدالة ويتكامل دورهما لتحقيق حماية الحقوق وسيادة النظام.
ومن هنا يجب ترسيخ الوعي بأن العمل القضائي أمام المحاكم يقوم على القاضي والمحامي ولا ثالث لهما في مباشرة الخصومة القضائية أو الترافع أمام المحاكم.
فمهنة المحاماة ليست مجرد حضور جلسات أو الترافع في المحاكم بل هي مهنة علم وفكر ومسؤولية تقوم على حماية الحقوق ونشر الوعي القانوني وتحقيق الاستقرار في المعاملات والعلاقات داخل المجتمع
والمحامي شريك في تحقيق العدالة يؤدي دورًا مهنيًا أصيلًا لا غنى عنه في بناء الثقة بالنظام القضائي وتعزيز سيادة القانون.
أما أصحاب المهن الحرة الأخرى كالأطباء والمهندسين والمحاسبين وغيرهم فقد مُنحوا تراخيص لممارسة تخصصاتهم المهنية المحددة ولهم دور مهم ومعتبر في منظومة العدالة من خلال تقديم الخبرة الفنية التي يستعين بها القاضي للوصول إلى الحقيقة وإصدار الحكم العادل ولذلك فإن الواجب عليهم التركيز على تطوير أعمال الخبرة ورفع كفاءة إعداد التقارير الفنية والمهنية وتقديمها بصورة دقيقة ومحايدة دون الخلط بين أعمال الخبرة الفنية وممارسة مهنة المحاماة أو الترافع أمام المحاكم حتى وإن كانت القضايا ذات طبيعة طبية
أو هندسية أو مالية أو محاسبية.
مذكراً بأن عبارة قاضٍ سابق لا يجوز استخدامها ممن عمل سابقًا في القضاء أو المحاكم أو النيابة أو اللجان القضائية وهي خطوة رائعة من قبل وزارة العدل للتأكيد على نزاهة وشفافية العمل في السلطة القضائية ومكانتها.

