: آخر تحديث

عندما تغيّرت قواعد الاقتصاد العالمي

3
3
3

خلال الأشهر الماضية، ومع تسارع الأزمات العالمية، كتبت كثيرًا عن التحول الاقتصادي، والاستعداد، والخزن الاستراتيجي، والاستقرار الذي تعيشه المملكة وسط عالم مضطرب. لكن مع كل أزمة جديدة، بدأت تتضح حقيقة أكبر: أن العالم نفسه يتغير، وأن ما كانت المملكة تبنيه خلال السنوات الماضية لم يكن مجرد استجابة لمرحلة مؤقتة، بل استعدادًا لتحول عالمي أعمق بدأت ملامحه تظهر اليوم بوضوح.

لم تعد الأزمات العالمية أحداثًا عابرة تنتهي بانتهاء عناوين الأخبار، بل أصبحت تعيد تشكيل طريقة تفكير الدول في الاقتصاد والطاقة والتجارة وحتى الأمن الوطني. العالم الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، وبُني على افتراض أن الأسواق ستبقى مفتوحة، وسلاسل الإمداد مستقرة، والطاقة متدفقة بلا انقطاع، بدأ يتغير بشكل متسارع. وما كان يُنظر إليه لعقود كأمر مسلم به، أصبح اليوم موضع شك وإعادة تقييم.

خلال سنوات قليلة فقط، انتقل العالم من البحث عن الأرخص… إلى البحث عمّا يمكن الوثوق به وقت الأزمات.

جائحة كورونا كانت أول اختبار حقيقي لهذا النظام الاقتصادي العالمي. تعطّلت المصانع، وتأخرت الشحنات، وارتفعت تكاليف النقل إلى مستويات غير مسبوقة، وبدأت دول كبرى تبحث بشكل عاجل عن الغذاء والأدوية والمواد الأساسية. ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتكشف هشاشة أسواق الطاقة والحبوب، وتبعها التوتر المتكرر في الممرات البحرية، من البحر الأحمر إلى مضيق هرمز، لتعيد طرح سؤال لم يعد سياسيًا فقط، بل اقتصاديًا أيضًا: ماذا يحدث عندما تتعطل طرق التجارة العالمية؟

هذه التحولات دفعت المؤسسات الاقتصادية العالمية إلى إعادة النظر في مفهوم الكفاءة الاقتصادية نفسه. فبعد أن كان التركيز لعقود على خفض التكلفة وتعظيم الأرباح، أصبحت "المرونة الاقتصادية" اليوم أولوية متقدمة. صندوق النقد والبنك الدولي تحدثا مرارًا بعد الجائحة عن أهمية بناء اقتصادات قادرة على الاستمرار وقت الأزمات، حتى لو كان ذلك على حساب الكفاءة التقليدية قصيرة المدى.

ولهذا، لم تعد مفاهيم مثل الأمن الغذائي، والخزن الاستراتيجي، والطاقة، والبنية التحتية، والذكاء الاصطناعي ملفات منفصلة، بل أصبحت أجزاء من معادلة واحدة عنوانها: من يملك القدرة على الاستمرار.. يملك المستقبل.

وخلال السنوات الماضية، لم تكن المملكة تتحرك فقط لتنويع اقتصادها، بل لإعادة بناء قدرتها على الاستمرار في عالم أقل استقرارًا. فبين التحول الاقتصادي، وتعزيز الأمن الغذائي، وبناء الاحتياطيات الاستراتيجية، وتطوير الموانئ والخدمات اللوجستية، كانت السعودية تتحرك وكأنها تقرأ شكل العالم القادم مبكرًا. واليوم، ومع تغير أولويات الاقتصاد العالمي، تبدو كثير من تلك القرارات وكأنها لم تكن استجابة للحاضر فقط.. بل استعدادًا لعالم يتشكل الآن.

ما كان يُنظر إليه قبل سنوات كطموحات بعيدة أو استثمارات طويلة المدى، أصبح اليوم جزءًا من معادلة الاستقرار الاقتصادي العالمي.

صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- أكد منذ البداية أن الهدف هو أن تكون السعودية "نموذجًا ناجحًا ورائدًا في العالم على كافة الأصعدة"، واليوم تبدو هذه الرؤية أكثر ارتباطًا بالواقع العالمي من أي وقت مضى.

الجغرافيا عادت لتحكم الاقتصاد من جديد

الموانئ، وخطوط الأنابيب، والممرات البحرية، والسكك الحديدية، ومراكز التخزين، لم تعد مجرد مشاريع بنية تحتية، بل أصبحت أدوات قوة واستقرار ونفوذ اقتصادي. ولهذا، فإن الاستثمارات السعودية في الموانئ، والخدمات اللوجستية، وشبكات النقل، وخط شرق–غرب، لم تعد تُقرأ كمشاريع تشغيلية فقط، بل كجزء من رؤية استباقية لعالم أصبحت فيه سلاسل الإمداد قضية سيادية.

حتى الطاقة نفسها لم تعد تُدار بالعقلية القديمة. لم يعد السؤال فقط: كم ننتج؟ بل: هل نستطيع ضمان استمرار التدفقات وقت الأزمات؟ وهنا يظهر التحول السعودي بوضوح؛ فالمملكة لم تعد تُقرأ فقط كأكبر مصدر للطاقة، بل كدولة تلعب دورًا محوريًا في استقرار الإمدادات العالمية.

وفي هذا السياق، أشار ياسر الرميان، محافظ صندوق الاستثمارات العامة، في أكثر من مناسبة إلى أن العالم يمر بتحول اقتصادي كبير، وأن الاستثمار طويل المدى وبناء القطاعات المستقبلية هو أساس الاستقرار الاقتصادي الحقيقي، وهي رؤية تبدو اليوم أكثر واقعية مع تصاعد الاضطرابات العالمية.

هذه التحولات لا تنعكس على الأسواق فقط، بل على حياة الناس مباشرة. فكل اضطراب في الطاقة أو الشحن أو الغذاء يتحول سريعًا إلى تضخم، وارتفاع أسعار، وضغط على الاقتصادات والأسر. ولهذا، فإن الدول التي بنت احتياطياتها، وطورت بنيتها التحتية، وعززت مرونتها الاقتصادية، أصبحت أكثر قدرة على حماية مواطنيها من الصدمات.

وهنا يظهر الفارق الحقيقي بين اقتصاد ينتظر الأزمات.. واقتصاد يستعد لها قبل أن تبدأ.

ولهذا، فإن ما يعيشه المواطن اليوم في المملكة من استقرار في توفر الغذاء والطاقة والخدمات، وسط عالم مضطرب، لم يعد يُقرأ كأمر طبيعي.. بل كنتيجة مباشرة لرؤية اختارت أن تستعد قبل أن تُجبرها الظروف.

ما يحدث اليوم قد لا يكون مجرد أزمة عابرة، بل بداية لإعادة تشكيل مراكز القوة الاقتصادية عالميًا. عالم لم تعد فيه القوة مرتبطة فقط بحجم الإنتاج أو الثروة، بل بالقدرة على حماية الإمدادات، وضمان الاستقرار، والاستمرار تحت الضغط.

وفي مثل هذه اللحظات، لا تتقدم الدول بالموارد فقط… بل بالرؤية، والاستعداد، والقدرة على التفكير قبل الآخرين.

ولهذا، يبدو أن السعودية لم تكن تستعد لمرحلة مؤقتة.. بل لعالم جديد يتشكل الآن.

في عالم تتغير فيه الموازين بسرعة، تبقى نعمة الأمن والاستقرار من أعظم النعم التي قد لا يدرك الإنسان قيمتها كاملة إلا عندما يرى كيف يعيش غيره وسط القلق والاضطراب. حفظ الله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وأدام على هذا الوطن نعمة الأمن والاستقرار والطمأنينة، وحفظ بلاد الحرمين الشريفين شامخةً آمنةً مستقرة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد