: آخر تحديث

الغزو الإعلامي الجديد!

3
2
2

نحن كمجتمع طبيعي مثل المجتمعات الأخرى لدينا أخطاء وإشكاليات وتحديات تتعلق بالتنمية والبطالة والخدمات وغيرها من القضايا التي تحتاج دائماً إلى نقاش ومعالجة وتطوير، وهذا أمر طبيعي في أي دولة تسعى للنمو والتغيير، كما أن النقد المسؤول وطرح الملاحظات بوعي يعدان جزءاً مهماً من التطوير والإصلاح، لكن المشكلة اليوم ونحن نعيش عصر انفلات وسائل التواصل الاجتماعي، أن بعض هذه القضايا لم تعد تُطرح دائماً بهدف الحل، بل أصبحت مادة جاهزة للتجييش والتصعيد وضرب الثقة بالمجتمع ومؤسساته!

هنا لا نتحدث عن نقد طبيعي، بل عن ما يمكن وصفه بـ"الغزو الإعلامي الجديد"، وهو استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية كأداة تأثير وصراع بين الدول والجماعات، عبر الحسابات الوهمية والتجييش الإلكتروني وصناعة المحتوى الموجه للتأثير على الرأي العام، حيث كانت في السابق الإذاعات والقنوات الفضائية جزءاً من أدوات النفوذ السياسي، أما اليوم فقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى سلاح جديد شديد التأثير، خصوصاً مع وجود أكثر من 6 مليارات مستخدم حول العالم، يقضي كثير منهم ساعات طويلة يومياً في متابعة المحتوى والتفاعل معه.

فلم يعد الأمر مقتصراً على اجتهادات فردية، بل أصبح جزءاً من استراتيجيات دول ومراكز تأثير وشركات متخصصة، وهناك أمثلة عالمية لدول أكثر تقدماً تأثرت بهذا الغزو الإعلامي الجديد، منها على سبيل المثل ما حدث في انتخابات الرئاسة الأميركية عام 2016 عندما تحولت قضية الحسابات الوهمية والتأثير الإلكتروني إلى ملف عالمي، بعد الحديث عن حملات تضليل ومحتوى موجه استهدف التأثير على الرأي العام والناخبين، والحال في فرنسا بانتخابات 2017 وتحديداً حملة "تسريبات ماكرون" الإلكترونية، والتي استخدمت فيها حسابات آلية ومحتوى مضلل قبل ساعات من التصويت، كما شهدت رومانيا أزمة سياسية كبيرة بعد اتهامات بتأثير حملات رقمية وتضخيم إلكتروني عبر (تيك توك) ساهمت في بروز مفاجئ لأحد المرشحين، جعل السلطات الرومانية تلغي جولة انتخابية كاملة وسط جدل أوروبي واسع حول خطورة التلاعب الرقمي وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الانتخابات والرأي العام!

وحالياً نتعايش باستمرار مع إعلانات يومية بحذف شركات تقنية تملك منصات معروفة بوسائل التواصل الاجتماعي مثل ميتا وX لمئات الآلاف من الحسابات المرتبطة بحملات تأثير منظمة تستهدف دولاً ومجتمعات مختلفة، بينما حذرت تقارير أميركية وأوروبية من استخدام دول كبرى للحسابات الوهمية والتضليل الرقمي للتأثير على الانتخابات وإثارة الانقسامات المجتمعية، الأخطر أن بعض هذه الحسابات لا تعمل بشكل عشوائي، بل وفق أجندات واضحة، من خلال تضخيم (شخصيات) من المرتزقة يتم ابرازهم كأصوات مستقلة بينما هم أدوات إعلامية مرتبطة بمصالح وجهات تستثمر في الفوضى والأمثلة لا تخفى علينا بهذا الخصوص.

لذلك من المهم هنا التفريق بين النقد الطبيعي وبين التجييش المنظم، صحيح أن من حقنا التعبير عن آرائنا ومناقشة القضايا العامة وانتقاد الأخطاء، لكن لابد أن نكون حذرين لأن المشكلة تبدأ عندما تتحول بعض المنصات إلى أدوات تستثمر في الغضب والإحباط والانقسام، وتتعامل مع أي قضية محلية باعتبارها فرصة للتصعيد لا للإصلاح، ولهذا أصبح الوعي اليوم جزءاً من الأمن، وأصبح من الضروري أن نتعامل مع المحتوى المتداول بعقل أكثر من العاطفة، خصوصاً في زمن لم تعد فيه بعض الحروب تُدار بالسلاح فقط، بل بالكلمة، والتجييش، والحسابات الوهمية، وصناعة الفوضى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد