نعم، أرسم الوجوه، فن معروف في العالم بفن البورتريه، وهي كلمة فرنسية جذورها لاتينية، تعني إظهار وكشف الملامح والشخصية، وارتبطت تاريخياً برسم ونحت الملوك والنبلاء، ثم تغير ذلك مع الوقت، وكالعادة فلم يعد البورتريه مقتصراً على علية القوم، لكنه بدأ بهم لأنهم القادرون على الدفع للفنان، لا أعرف من أول شخص رسم شخصًا عاديًا لكنني أعرف أن من أعظم أعمال فان جوخ هو تصويره لوجوه الفلاحين والعمال.
فنانة بورتريه، أواجه الاستهجان من زملائي الفنانين، والذي يحبني منهم يحاول أن يدفعني للتخلي عن هذا الفن، أو على الأقل أن أموه الوجوه فلا تعود تشبه أصحابها، الشبه مشكلة، عليّ أن أرسم وجوهًا لا تمت لأصحابها كي أُرضي زملائي. هل ترسمين شيئًا آخر، لمَ لا ترسمي شيئًا آخر، نعم، أرسم أشياء أخرى، لكنها أيضًا مرتبطة بالإنسان، أرسم الأشكال البشرية، أرسم الأجساد. لا أعرف بماذا يترجمون هذا الفن، أعرف اسمه بالإنجليزية، figure painting. تحتفظ أمي في بيتها بلوحة قديمة لي، حين كنت أتعلم الرسم، لوحة زيتية لطبيعة صامتة، جميلة تلك اللوحة، لكنها حين طلبت مني مؤخرًا لوحات أخرى غير الوجوه، رسمت لوحتين لمناظر طبيعية كانت من أسوأ ما رسمت في حياتي، ليس هذا مجالي، لأنني لا أحبه ولم أحاول أن أطوره.
أحب تصوير الوجوه، لذلك حين شاركت الفنان عبدالله إدريس في معرض ثنائي قبل عامين، كان المشترك بيننا هو الجمل، هو يرسمه بطريقته التجريدية المبسطة الخلابة، وأنا رسمت وجوه الجمال، وضعت في وجوهها روح الجمل، كان بعضها مغرورًا، وبعضها سعيدًا، وبعضها غير مبال. هذا أنا، فنانة بورتريه، حتى للجمال.
تعودت أن أدافع عن نفسي، وأشرح تاريخ فن البورتريه وأهميته، تعودت أن أقول للناس، هناك متحف فني ضخم في لندن اسمه متحف البورتريه الوطني. أريد أن أتوقف عن فعل ذلك، أريد أن أقول لزملائي الذين يحبونني إن هذا فني، وإنني سأستمر فيه، لأن الفنون لا تمحي بعضها البعض، وليس هناك فن أفضل من فن، وأن رسم الوجوه ليست مرحلة سأتخطاها، رسم الوجوه هو عشقي وشغفي، هو طريقتي في التعبير عن الفرح والحزن والألم والخوف والخجل، وكل ما يعتري الإنسان من مشاعر، من خلالي، أنا أحب أن أنظر إلى الوجوه التي رسمتها، وأرى من عينيها كيف أبدعت في إظهار شخصيتها، وروحها، من خلال لوحة.
لم تلغِ الرواية كتابة القصة القصيرة، ولم تلغِ قصيدة النثر القصيدة العمودية، والفن المعاصر لم يلغِ الفن الحديث، والتلفزيون لم يلغِ السينما.
أيها الفنانون الرائعون! فن البورتريه ليس أقل من ذلك.

