في الحياة صداقات تمر وأخرى تستقر، لكن هناك صداقات نادرة تُشبه التوءمة لا تحتاج إلى تفسير ولا إلى تعريف سوى أنها أخ لم تلده الأم، هكذا كانت علاقتي بالصديق العزيز والفنان الممثل الكبير الدكتور «راشد الشمراني» علاقة لم تكن عادية في نظر أصدقائنا في مجموعة شقة المرسم، حيث كانوا يروننا توءماً لا يفترق، فكنا ندخل الشقة معاً ونغادرها معاً، نجلس بالساعات مع الأصدقاء نضحك ونتجادل ونتشارك الحكايات، لكن حضور أحدنا دون الآخر كان دائماً ناقصاً في نظرهم، إن حضرتُ وحدي جاء السؤال مباشرة: أين راشد؟ وإن حضر هو بدوني، سألوه عني بنفس الحميمية، قبل انضمامنا لمجموعة الشقة كنا معاً في جامعة الملك سعود ندرس في كلية التربية قسم علم النفس، هناك لم تكن صداقتنا مجرد زمالة دراسة بل امتدت إلى خشبة المسرح، حيث التقينا في مسرح الكلية ثم في مسرح الجامعة، نشارك ممثلين من مختلف الكليات والتخصصات نمثل ونكتشف أنفسنا تحت الأضواء ونظر الجمهور، أذكر جيداً تلك الليلة في السنة الأخيرة قبل الاختبارات النهائية، كنا نقطن سوياً في السكن الجامعي بالوحدة السكنية ج الدور 5 غرفه 7، نذاكر استعداداً لاختبار الغد في مادة سيكولوجية التعلم، فجأة قطع راشد الصمت بسؤال لم يكن متوقعاً، يا مشعل هل ستواصل التمثيل بعد التخرج من الجامعة؟ أجبته: لا، ثم حولت السؤال عليه فأجاب أيضاً: لا، قلت له مؤكداً: أنت يا راشد ستواصل لأنك كوميديان بالفطرة ولك حضور وقبول وهذا ما يطلبه المشاهدون، ابتسم وقال: بل أنت ممثل تصلح للأدوار التراجيدية وجهك فتى الشاشة وهذا ما يطلبه المنتجون، تحول النقاش إلى تحدٍ ورهان بيننا، كل واحد منا كان يرى في الآخر ما لا يراه في نفسه، حاولت إقناعه أنه الأجدر وحاول إقناعي أنني الأجدر، وفي الأخير تركنا الزمن هو من سيحسم الأمر، وبعد سنوات ونحن مع مجموعة شقة المرسم، راشد برغم عمله عسكري برتبة ضابط واختصاصي نفسي بالمستشفى العسكري بوزارة الدفاع، إلا أنه واصل التمثيل وأصبح اليوم واحداً من نجوم الدراما في السعودية، أثبت في كل عمل أنه لم يكن مجرد موهبة عابرة، بل مشروع فنان حقيقي وراقٍ في أدائه وحضوره، وقد واصل تعليمه العالي حتى نال الدكتوراه في مجال تخصصه، أما أنا فقد ابتعدت عن التمثيل واخترت طريقاً آخر، فواصلت في الصحافة، حيث وجدت نفسي في الكتابة المسرحية والتحليل والنقد الفني، إلى جانب عملي الأساسي في التعليم بثانوية الأبناء بالرياض التابعة لوزارة الدفاع، مدرساً لمادتي علم النفس وعلم الاجتماع، نعم كسبت أنا التحدي والرهان، لكن لم يكن الرهان ولا التحدي بيني وبينه صراعاً على من يكون الأفضل، بل كان اعترافاً مبكراً من كلٍ منا بموهبة الآخر، وربما لهذا السبب استمرت تلك الصداقة لأنها لم تُبنَ على منافسة بل على إيمان بأخوة وصداقة الآخر، أبو (أحمد) ليس مجرد اسم في سجل الدراما السعودية، بل هو تجربة إنسانية وفنية ثرية، تعلّم منها الفنانون من جيله وبعده سواء عن قرب أو متابعتي مسيرته، إذاً أنا وراشد حكاية واحدة كُتبت بسطرين مختلفين جمعتها روح واحدة.

