: آخر تحديث

الميليشيات... وتعطيل دور الدولة

4
4
2

لم تعد الميليشيا في كثير من البلدان مجرد تشكيل مسلح نشأ في لحظة اضطراب أمني، بل غدت، مع الزمن، بنية نفوذ متكاملة: سلاح، ومال، وآيديولوجيا، وشبكات مصالح، وقدرة على اختراق مؤسسات الدولة أو تطويعها، ومن هنا لا تبدو القضية أمنيةً فحسب، بل سياسية واقتصادية وسيادية في آنٍ واحد؛ لأنَّ السلاح حين يقترن بالتمويل والغطاء الآيديولوجي والوظيفة الإقليمية، يتحوَّل إلى مشروع حكم موازٍ، لا إلى قوة طارئة تنتهي بانتهاء مبرراتها.

لقد استفادت هذه التشكيلات من سنوات الفوضى، ومن انهيار الثقة بين المواطن والدولة، ومن العجز المزمن في بناء اقتصاد منتج يستوعب الشباب، فحين تتراجع الصناعة، وتُهمَّش الزراعة، ويضيق أفق العمل الحقيقي، يصبح حمل السلاح، لدى بعض الفئات، وظيفةً بديلةً تمنح الراتب والهوية والشعور بالقوة، هكذا لا يعود الانخراط في الميليشيا تعبيراً عن قناعة عقائدية فقط، بل عن حاجة اجتماعية أيضاً؛ حاجة صنعتها دولة ريعية ضعيفة، وعمَّقتها بيئة سياسية وجدت في التعبئة المذهبية والشعارات الكبرى وسيلةً أسهل من بناء مؤسسات حديثة، وفرص إنتاج واستقرار.

لكن الأخطر أنَّ رعاة هذه الظاهرة، في العراق ولبنان واليمن، لم يتعاملوا معها بوصفها تشكيلات قتالية مؤقتة، بل بوصفها نواةً لبناء دولة عميقة موازية، دولة تمسك بالمنافذ، وتؤثر في القرار، وتتغلغل في الإدارات، وتفرض منطقها على السياسة والاقتصاد، بينما تترك في الواجهة دولةً رسميةً هشةً من حكومة وبرلمان وقضاء، وعندما تبدو المؤسسات قائمة شكلاً، بينما تُدار فعلياً تحت ضغط السلاح والولاء والشبكات المالية، فإنَّ الأزمة لا تعود أزمة انفلات أمني، بل أزمة دولة مخترقة من الداخل.

من هنا يمكن فهم الهوس بتكثير الفصائل وتوسيع مكاتبها الاقتصادية وتمدّدها في المنافذ والمعابر والعقود والتجارة، فالميليشيا التي تحصل على شرعية السلاح، ثم على غطاء الموازنة، ثم على حصتها من الاقتصاد الموازي، لا تعود معنيةً بعودة الدولة كاملة الصلاحيات؛ لأنَّ اكتمال الدولة يعني تقلص مجالها الحيوي، لذلك ازدهرت الإتاوات والجبايات والتهريب، وتحوَّل السلاح من ذريعة حماية إلى أداة نفوذ، بينما أُعيد إنتاج البطالة والتهميش بطريقة تجعل الميليشيا نفسها ملاذاً لكثير من العاطلين عن العمل، برواتب غير منتِجة، وتكلفة وطنية باهظة.

أما الشعارات المعلَنة، من الدفاع عن دولها أو حماية العقيدة أو مقاومة الإرهاب، فقد فقدت كثيراً من معناها حين انتهى الخطر الذي استُخدِمت لمواجهته، وبقيت البنية المسلحة تتَّسع بدل أن تنكمش، فالإرهاب الذي شُنَّت الحرب ضده تراجع بوصفه تهديداً وجودياً منذ إعلان النصر عليه في نهاية 2017، لكن منطق التعبئة لم يتراجع، بل جرى توظيفه لتبرير بقاء السلاح خارج منطق الدولة، ثم لتوسيع دوره في الداخل، وتحويله إلى ورقة ضغط على القرار الوطني، وإلى أداة تدخل في ملفات لا صلة لها بالدفاع عن المجتمع، ولا بحماية السيادة.

وفي هذا السياق تحديداً برز الدور الأخطر: إن بعض هذه القوى لم تكتفِ بتعطيل الدولة من الداخل، بل أدت وظيفة الأذرع الإيرانية في صراع إيران مع الولايات المتحدة، وهنا لم يعد العراق ساحةً لحماية نفسه، بل صار منصةً لتبادل الرسائل والضغط وتصفية الحسابات، فكلما احتدمت المواجهة بين طهران وواشنطن، تحرَّكت هذه الأذرع وفق إيقاع الصراع الإقليمي، لا وفق المصلحة العراقية، فتعرَّضت سيادة البلاد للاهتزاز، ودُفع العراق مراراً إلى حافة حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، والمعنى السياسي لذلك أنَّ السلاح لم يعد مرتبطاً بقرار الدولة، بل بقرار يتجاوزها ويستخدم أرضها ومؤسساتها ومواردها، كما حصل في الهجمات العدوانية على المملكة العربية السعودية، وبقية دول الخليج.

ولم يكن إقليم كردستان بعيداً عن هذا المسار، بل كان في أحيان كثيرة أحد أبرز أهدافه، فالهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على بيوت المواطنين، والفنادق، وحقول النفط والغاز، والمصافي، وقوات البيشمركة والتي تجاوزت 700 طائرة انتحارية وصاروخ، لم تكن مجرد أعمال عدائية متفرقة، بل رسائل مركبة ما زالت تمثل، رغم أزماتها، نموذجاً أكثر استقراراً وانفتاحاً وقابلية للحياة، ومن هنا بدا استهداف الإقليم جزءاً من محاولة معاقبة أي تجربة تكشف، بالفعل لا بالشعار، حجم الفشل الذي كرَّسته قوى السلاح في بقية مفاصل البلاد.

وما يفاقم المشهد أنَّ هذه البنية لم تكتفِ بالتمدُّد الأمني، بل دخلت أيضاً إلى السياسة، فصارت قادرةً على تعطيل تشكيل الحكومات أو التأثير فيها، وعلى حماية شبكاتها داخل الإدارة والاقتصاد، وعلى فرض مناخ عام يجعل مساءلتها أمراً شديد التكلفة.

خلاصة الأمر أنَّ الميليشيات لا تزدهر في الفراغ فقط، بل في الدولة الضعيفة، وفي الاقتصاد المشلول، وفي الخطاب التعبوي، وفي الارتباطات الخارجية، ولذلك فإنَّ المعركة ليست ضد فائض السلاح وحده، بل ضد المنظومة التي جعلت من السلاح اقتصاداً، ومن الاقتصاد ولاءً، ومن الولاء بديلاً عن الدولة. لا بد إذن من حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية؛ لأنَّ ما حصل من تدمير لم يكن بسبب وجود الميليشيات وحده، بل نجاحها في إقناع كثيرين بأنَّها قَدَرٌ لا يمكن تجاوزه، بينما هي، في الحقيقة، أحد أبرز أسباب الانهيار.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد