: آخر تحديث

التدريب الإعلامي حين يتحول من مهارة إلى مسؤولية عامة

3
3
3

منيرة أحمد الغامدي

لم يعد الإعلام مجرد مساحة لنقل الوقائع، بل أصبح أحد العوامل التي تشكل فهم المجتمعات لما يجري حولها، وتؤثر في ثقة الجمهور بالمؤسسات وفي صورة الدول لدى شركائها. فالكلمة اليوم تتحرك في بيئة سريعة التفاعل وقد يصل صداها إلى ما هو أبعد من نية قائلها، لذلك لم تعد الكفاءة الإعلامية مسألة شكلية بل جزءًا من جودة الفهم، ودقة التمثيل، واحترام عقل المتلقي.

تاريخيًا، كان يُنظر إلى التدريب الإعلامي بوصفه نشاطًا تكميليًا يركز على مهارات الإلقاء أو كتابة الخبر، لكن طبيعة الاتصال تغيرت بصورة عميقة، فالإعلام بات يتداخل مع الاقتصاد والسياسة والثقافة، وأصبحت الرسائل المؤسسية تؤثر في قرارات استثمارية كبرى، وفي تقييم شركاء دوليين. هذا التحول جعل الاحتراف الإعلامي أقرب إلى مسؤولية معرفية، لا مجرد قدرة تقنية على استخدام منصة أو صياغة تصريح.

في كثير من الحالات، لا تنشأ الإشكالات الإعلامية بسبب غياب المعلومة، بل بسبب غياب إدراك حساسيتها أو عدم تقدير توقيت عرضها. فالمحتوى لا يُستقبل بمعزل عن السياق، والجمهور لا يتفاعل مع النص فقط بل مع ما يفهمه منه، و من هنا يصبح التدريب الإعلامي المتخصص وسيلة لتقليل المسافة بين المقصود والمفهوم، وبين الرسالة وأثرها الفعلي.

الإعلامي أو المتحدث لا يعمل في فراغ لغوي، بل في بيئة تتأثر فيها الكلمات بالظروف المحيطة بها، و عبارة قصيرة قد تفتح بابًا لتفسيرات وتأويلات واسعة، وصياغة دقيقة قد تغلق مسارًا من الالتباس. لذلك فإن التدريب الجاد يركز على القدرة على قراءة المشهد قبل الحديث عنه، وعلى تقدير أثر المفردة قبل نشرها، وعلى الموازنة بين الوضوح والاختصار دون الإخلال بالدقة.

التحولات الاقتصادية والثقافية التي تشهدها المملكة في السنوات الأخيرة رفعت مستوى الحاجة إلى خطاب إعلامي مهني، لأن حجم التغير أصبح أكبر من أن يُترك للاجتهاد الفردي. توسع القطاعات الجديدة وزيادة الحضور في الفعاليات الدولية، وتنامي الاهتمام العالمي بتجربة المملكة، كلها عوامل تجعل جودة الرسالة جزءًا من جودة الإنجاز نفسه.

ضمن هذا الإدراك برز توجه نحو تطوير التدريب الإعلامي بصورة أكثر تنظيمًا، بما يعكس فهمًا لدور الاتصال في دعم مسارات التنمية. ويأتي وجود أكاديمية الإعلام السعودية (SMA) التابعة لوزارة الإعلام كأحد ملامح هذا التوجه، إذ يشير إلى انتقال التدريب من مبادرات متفرقة إلى إطار أكثر تخصصًا، يركز على إعداد كوادر قادرة على التعامل مع بيئة اتصال متعددة المستويات، تجمع بين الإعلام التقليدي والمنصات الرقمية، وتستجيب لمتطلبات الممارسة المهنية الحديثة.

أهمية هذا المسار لا تتعلق بالمؤسسة بحد ذاتها، بل بما يعكسه من تحول في النظرة إلى الإعلام بوصفه جزءًا من كفاءة الأداء العام. فالتدريب الفعّال لا يهدف إلى إنتاج خطاب مثالي، بل إلى تعزيز القدرة على التعبير المتزن، وتجنب التفسيرات المتعجلة، وتقديم معلومات واضحة تساعد المتلقي على تكوين فهم أقرب إلى الواقع.

في زمن المنصات المفتوحة، قد يبدو الوصول إلى الجمهور أمرًا يسيرًا، لكن الوصول لا يعني بالضرورة التأثير المسؤول. فالفارق بين الانتشار والمهنية يكمن في القدرة على تقديم محتوى يحافظ على الدقة دون جمود، وعلى الوضوح دون تبسيط مخل وهذا النوع من التوازن لا يتحقق غالبًا دون تدريب منظم يربط المعرفة النظرية بالتجربة العملية.

تتسق هذه الحاجة مع مستهدفات رؤية 2030 التي تركز على تنمية القدرات البشرية بوصفها أساسًا لأي تحول مستدام، حيث لم تعد المهارات الإعلامية منفصلة عن بقية الكفاءات المهنية، بل أصبحت جزءًا من قدرة المؤسسات على شرح توجهاتها، وتوضيح أهدافها، وبناء فهم مشترك مع المجتمع والشركاء، بما يعزز جودة التواصل ويقلل من فجوات التفسير.

التدريب الإعلامي في جوهره ليس محاولة لصياغة صورة مثالية، بل سعي لتقديم صورة مفهومة، وهو لا يهدف إلى إزالة التحديات من المشهد، بل إلى عرضها بلغة واضحة تساعد على إدراكها في سياقها الصحيح، والمهنية الإعلامية تجعل التعامل مع الاحداث أكثر اتزانًا. ولهذا فإن التدريب الإعلامي لا يمكن اعتباره نشاطًا ثانويًا، بل أحد العناصر التي تسهم في نضج الخطاب العام، وفي تقديم الواقع كما هو، بلغة واضحة ومسؤولة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد