: آخر تحديث

ما وراء غبار المدافع

4
3
3

بينما تنشغل شاشات الأخبار بقرع طبول الحرب، وتتسابق التحليلات في رصد التحركات العسكرية بين واشنطن وطهران، يغيب عن الكثيرين سؤال جوهري: ماذا بعد؟ إن التاريخ، في حكمته العظيمة، يعلمنا أن أطول الحروب ليست إلا فصولاً عابرة في كتاب الحضارة البشرية، وأن "ما بعد الحرب" ليس مجرد وقت زمني، بل هو فرصة لإعادة ابتكار الذات والمجتمعات.

التفاؤل هنا ليس "أمنيات وردية"، بل هو قراءة واقعية للتاريخ، انظروا إلى ألمانيا واليابان بعد عام 1945؛ مدن سويت بالأرض ونفوس محطمة، لكنها في غضون عقود قليلة تحولت من حطام الحروب إلى قمم الاقتصاد والتكنولوجيا. لم يكن المحرك مجرد أموال "مارشال"، بل كانت إرادة الشعوب التي آمنت بأن البناء هو الرد الأمثل على الدمار. وفي منطقتنا، كانت اتفاقية "طائف" لبنان نموذجاً لكيف يمكن للفرقاء أن يضعوا السلاح ليبدأوا معركة البناء، السلام ليس غياب الحرب فحسب، بل هو "حضور الإرادة".

الاستعداد لزمن السلام يبدأ والحروب لا تزال قائمة. على المستوى الفردي، يجب أن نحمي عقولنا من "تسمم الأخبار" واليأس الجماعي، الفرد المستعد هو من يستثمر في مهاراته، ويحافظ على توازنه النفسي، ويؤمن بأن دوره سيبدأ عندما تصمت المدافع.

أما مجتمعياً، فإن التحدي الأكبر يكمن في تحويل "اقتصاد الحرب" وخطاب الكراهية إلى "ثقافة التنمية". المجتمع الحي هو الذي يبني جسور الحوار قبل أن يبني جسور الإسمنت، ويستثمر في التعليم كدرع واقٍ ضد أي صراعات مستقبلية. الاستعداد للسلام يتطلب شجاعة تفوق شجاعة القتال؛ شجاعة التسامح والقبول بالآخر.

الحرب تترك ندوباً لا تراها العين، وتجاوز الأثر النفسي يتطلب "مواساة وطنية" شاملة. نحتاج إلى العودة للنظر إلى "الآخر" كإنسان له مخاوف وآمال، بعيداً عن قولبة الأيديولوجيا، ومن خلال الفن، والكتابة، والحوارات المجتمعية التي تسمح للألم بأن يخرج ليفسح مجالاً للأمل.

لا شيء يداوي جراح النفس مثل الانخراط في عمل بناء يرى الإنسان ثمرته يوماً بعد يوم، إننا في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ المنطقة، مطالبون بأن ننظر إلى ما وراء الدخان. السلام قادم لا محالة، والرابح الأكبر هو من أعدّ قلبه وعقله ليكون معمارياً في "مدن النور" القادمة، لا أسيراً لظلمات الماضي.

ولا بد أن نتذكر أن السلام هو الحالة الطبيعية للكون، والحرب هي الاستثناء الذي يثبت القاعدة.. يقول مارتن لوثر كينغ: "السلام ليس مجرد هدف بعيد ننشده، بل هو الوسيلة التي يجب أن نصل بها إلى ذلك الهدف".

إن الضوء الذي يشع من داخلنا هو الذي يضيء لنا عتمة الطرقات، وبناء الإنسان هو أعظم انتصار في معارك الوجود، وستهدأ العاصفة، وسيبقى الإنسان، فليكن استعدادنا للسلام بحجم إيماننا بالحياة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد