: آخر تحديث

بين أبي تمام وإيلون ماسك

2
3
3

لو فتَّشت في أوهام الأوَّلين ونزعاتِهم، لوجدتَها حاضرةً اليوم بصيغٍ مخادعة وملابسَ حديثة، غير أنَّ جوهر الأمور لم يتغير؛ لأنَّ الوهم في كثير من الأحيان أقوى من الحقيقة.

الأمثلة كثيرة ومثيرة وخطيرة، مثل التَّعلق بالشَّخص المختار المخلص الذي نقرأ عنه على سبيل التفكّه والاستغراب، وإحماض المجلس بملح النوادر، وأنَّ ذلك شيء مضى وانقضى، وبقيَ لنا منه التندّر وتزجية ليالي السمر، لكن يخرج لنا اليومَ في عصر الذكاء الاصطناعي و«سبيس إكس» من يؤمن بنماذج مثل هذه!

دعك من هذا، لنعد لحديثِ الكواكب والنجوم، وطاقتها المؤثرة (على فكرة، موضة الأبراج عند الفتيات زمان، حلَّ محلَّها السؤال عن الطاقة بدل البرج... هكذا أخبرني أحد أشقياء الشباب اليوم!).

في الأخبار عن المختار صاحب الكوكب السّيّار إيلون بن ماسك الجبار، أتانا هذا النبأ: تزامناً مع حدثٍ فلكي نادر، إضافة إلى تاريخ عيد ميلاد إيلون ماسك الذي يسعى لجمع مبلغ قياسي قدره 50 مليار دولار، تتطلع شركة «سبيس إكس» للاستكشاف والنقل الفضائي لطرح أسهمها للاكتتاب العام في منتصف يونيو (حزيران) المقبل.

مصادرُ مطلعة كشفت أنَّ الشركة تخطّط لطرح أسهمها في البورصة مع ظهور كوكبَي المشتري والزهرة متقاربين جداً في السماء، وهو اقتران سيحدث للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاث سنوات في الفترة من 8 إلى 9 يونيو، وفق ما ذكرت صحيفة «فايننشال تايمز».

تذكرت مع كواكب إيلون ماسك وطالعها خبر الخليفة العباسي المقاتل المعتصم الذي نازل الروم البيزنطيين وهزمهم في معركة عمورية، في رمضان من عام 223هـ، الموافق لأغسطس (آب) من عام 838م.

هذه المعركة مشهورة في كتب التاريخ، وتمت استعادتها في الأدب العربي الحديث، لكن أكثر ما خلّدها وحفظها من عثة النسيان، قصيدة الشاعر العباسي العظيم أبي تمام التي عارضها في زمننا الحديث عبد الله البردوني، شاعر اليمن البصير. وفي قصيدة أبي تمام إشارة لحكاية التفاؤل والتشاؤم بمنازل الكواكب، وأصل ذلك أنَّ المنجّمين من المعسكرين، البيزنطي والعباسي، حذروا من وقت المعركة؛ لأنَّ لغة الكواكب غير مبشّرة، لكن الخليفة (الأمي) أعرض عنهم وغزا وفاز، فقال أبو تمام:

وَخَوَّفوا الناسَ مِن دَهياءَ مُظلِمَةٍ إِذا بَدا الكَوكَبُ الغَربِيُّ ذو الذَّنَبِ

وَصَيَّروا الأَبرُجَ العُليا مُرَتَّبَةً ما كانَ مُنقَلِباً أَو غَيرَ مُنقَلِبِ

لَو بَيَّنَت قَطُّ أَمراً قَبلَ مَوقِعِهِ لَم تُخفِ ما حَلَّ بِالأَوثانِ وَالصُّلُبِ!

هل من المعقول أنَّ أبا تمام أكثرُ وعياً، وأرحبُ نفساً، وأمتنُ فكراً، من إيلون ماسك ورجاله ونسائه في «سبيس إكس»؟!

نسأل في برزخ غامض بين العبث والجد، كلام: في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَّعِبِ...


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد