: آخر تحديث

المثقف المحشور بين «الأغاني» و«ابن تيمية»

2
3
2

محمد ناصر العطوان

تخيل يا مؤمن، أن المصادفة وحدها هي التي قادتني لاكتشاف قنبلة فكرية كانت نائمة في مكتبتي منذ ست سنوات... كتاب صغير الحجم، لكنه ثقيل العيار، وجدته محشوراً في وضعية لا يُحسد عليها؛ عن يمينه كتاب «الأغاني» للأصفهاني بكل ما فيه من طرب ومجون وليالي أنس، وعن يساره كتاب «السياسة الشرعية» لابن تيمية بكل ما فيه من صرامة وحسم وحدود.

الكتاب المحاصر بين «الدُّف» و«السيف» يحمل عنواناً يبدو وكأنه اسم مرض غريب وهو «المثقف العربي ومتلازمة ميدان تيانانمن» من تأليف عمرو عثمان ومروة فكري.

وقفت أمام هذا المشهد العبثي وقلت لنفسي «يا سبحان الله! وكأن مكان الكتاب في المكتبة يلخص مأساة المثقف العربي كلها»... فهو تارة يريد أن يغني ويرقص مع الأصفهاني باسم الحريات الشخصية، وتارة يريد أن يمارس الوصاية مثلما يُفهم (خطأً أو صواباً) من قراءة مؤلفات ابن تيمية، وفي النهاية يظل «محشوراً» ومخنوقاً، لا هو طال بلح الشام ولا عنب اليمن.

عزيزي القارئ، جهز لك كوباً من الشاي بالنعناع، وكثر من النعناع لكي تطغى رائحته على رائحة الشعب... لأننا سنتكلم عن متلازمة الخوف من «ريحة الشعب!».

المهم، سحبت الكتاب ونفضت عنه غبار السنوات الست - وهي سنوات كافية لتغيير خرائط دول، فما بالك بأفكار بشر؟! لأكتشف أن المؤلِّفَيْن قد وضعا أيديهما على الجرح الذي نرفض الاعتراف به، الجرح الذي يسميانه «متلازمة تيانانمن»!

والحكاية ببساطة، لمن لا يعرف أو نسي، أن المثقفين في الصين عام 1989 شجعوا الطلاب في البداية وطالبوا بالديمقراطية، ولكن ما إن نزل «الشعب الحقيقي» إلى الميدان، وما إن بدت نذر الفوضى وتهديد هيبة الدولة، حتى تراجع المثقفون وانسحبوا، واختاروا «الاستقرار» خوفاً من «الغوغاء».

وهذا بالضبط، يا سيدي، ما يفعله المثقف العربي «التنويري» منذ 2011 وحتى يومنا هذا...

الكتاب يخبرنا بالحقيقة العارية التي توجع؛ وهي أن المثقف العربي يعشق الديمقراطية، ويموت في دباديب الحرية، ويكتب فيها المعلقات، بشرط واحد فقط هو أن تأتي الديمقراطية «دليفري» من فوق، نظيفة، معقمة، ومكيفة... أما ديمقراطية الشارع، ديمقراطية الصناديق التي قد تأتي بمن لا يرتدون «البابيون» ولا يحفظون اقتباسات «فولتير»، فهذه يسميها «فوضى»، ويسميها «ظلامية»، ويستعد فوراً ليحميه منها... لنكتشف أن المثقف يحب الشعب ويتكلم باسمه ولكنه يكره رائحته ومجالسته!

في فصول الكتاب الأربعة، تشعر وكأن المؤلفين يمسكان بمشرط ويشرحان جثة «النخبة». يتحدثان عن المثقف الذي يعيش انفصاماً حاداً، فهو أمام الغرب وأمام الحكومات يتقمص دور فارس التنوير الذي يحارب التخلف، لكنه أمام الشعب يتقمص دور «الوصي» المتعالي الذي يرى أن الجماهير قاصرة وغير مؤهلة لتقرر مصيرها.

هو يريد حرية التعبير لنفسه لكي يكتب في الصحف ويظهر في الفضائيات، لكنه لا يريد حرية التقرير للناس لكي يختاروا أولويات مواضيعهم.

المصيبة التي يكشفها الكتاب، والتي نراها بأعيننا كل يوم، هي أن خوف المثقف من الديمقراطية ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل هو خلل وجودي في تكوينه، فهو لا يثق في المجتمع الذي يعيش فيه... هو يراه مجتمعاً متخلفاً، رجعياً، يحتاج إلى «كرباج» لكي يسير على الصراط المستقيم... ولذلك، عندما حدثت الثورات العربية، رأينا العجب العجاب... مثقفون ليبراليون ويساريون يصفقون للعسكر، وتنويريون يطالبون بإلغاء السياسة أصلاً بحجة «حماية الدولة»، ومشايخ دين، وأناس لديهم مشكلة مع حرية ممارسة العبادات، وأناس لديهم مشكلة في اختيارات الناس...

لذلك ففكرة الكتاب أن متلازمة تيانانمن هذه ليست مرضاً صينياً، بل هي وباء عربي بامتياز... إنها الحالة التي تجعل المثقف الليبرالي يصرخ: «تسقط الديكتاتورية!» في الصباح، ثم يهمس في المساء «بس بالله عليكم ما له داعي الديمقراطية الحين علشان الإخوان/السلفيين/ منظمين أكثر من غيرهم»... وتجعل المثقف الإسلامي يقول «إذا سمحوا للنساء بالتصويت فاحنا أول ناس راح نخلي حريمنا واقفين عند الصناديق!».

النتيجة؟ أننا نعود للمربع صفر... لا حصلنا على حرية الأصفهاني، ولا طبقنا عدالة ابن تيمية، وظللنا «محشورين» في نفق، بفضل نخبنا التي تخاف من «ريحة الشعب».

أغلقت الكتاب الصغير وأعدته لمكانه بين المرجعين الكبيرين، وأنا أدرك الآن لماذا ظل مختبئاً ست سنوات... لأن الحقائق التي فيه مؤلمة، وتفضح عوراتنا الفكرية.

أتمنى عزيزي القارئ! أن يكون «نعناعك» قد طغى على رائحة الشعب... وأن تكون قد انتهيت من شرب شايك... وفي الختام وبعد قلة الكلام فنحن يا سادة بحاجة إلى علاج لهذه «المتلازمة»، قبل أن نتحول جميعاً إلى مجرد «كتب مركونة» على أرفف التاريخ، لا يقرؤها أحد، ولا يترحم عليها أحد.

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله...أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد