حين أتأمل الطفرة الروائية السعودية في العقدين الأخيرين، لا أراها مجرد تزايد في عدد العناوين على رفوف المكتبات، بل أراها تحوّلًا عميقًا في الوعي، وفي الجرأة على مساءلة الذات والمكان والزمن، هذه الطفرة ليست حدثًا عابرًا في مشهد ثقافي، بل مادة خام لصناعة كبرى تنتظر أن تُستثمر بوعيٍ واستراتيجية حيث صناعة الدراما والسينما.
لطالما قلت - وما زلت - إن الرواية السعودية اليوم ليست نصًا يُقرأ فقط، بل عالَمًا يُرى، فالرواية الحديثة عندنا لم تعد حبيسة التأمل الداخلي أو اللغة المجازية المنفصلة عن الواقع، بل أصبحت أرشيفًا اجتماعيًا، وذاكرةً حيّة، ومرآةً لتحولات المجتمع في علاقاته، وأحلامه، وصراعاته الصغيرة والكبيرة، وهذا بالضبط ما تحتاجه الدراما.. حكاية متجذرة في الأرض، نابضة بالبشر، قابلة لأن تتحول إلى صورة وصوت ومشهد.
ولعلّ تجربة مسلسل شارع الأعشى تمثل نموذجًا واضحًا لهذا الاتكاء الذكي على الرواية بوصفها منجمًا سرديًا، فالمسلسل المقتبس عن رواية غراميات شارع الأعشى للمبدعة د. بدرية البشر لم يحقق نجاحًا جماهيريًا فحسب، بل أعاد التأكيد على أن الرواية السعودية قادرة على أن تعيش حياةً ثانية فوق الشاشة.
ففي موسمه الأول، قدّم “شارع الأعشى” سردًا بصريًا لحكاية اجتماعية مشبعة بالتفاصيل المحلية، فاستعاد ذاكرة المكان، وأعاد رسم الشخصيات التي عرفها القارئ في النص، لكن بلغة الصورة والإيقاع الدرامي، وحين جاء الموسم الثاني امتدادًا لذلك النجاح، لم يكن الأمر مجرد تكرار، بل كان تثبيتًا لثقة الجمهور بأن الحكاية السعودية حين تُروى بصدقٍ فني، قادرة على المنافسة والاستمرار.
هذا النجاح لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه انتصار عملٍ واحد، بل بوصفه إشارة طريق، فالرواية السعودية اليوم تزخر بعشرات العوالم القابلة للتحويل إلى مسلسلات وأفلام.. روايات ترصد تحولات المدن، وأخرى تغوص في التاريخ المحلي، وثالثة تستكشف الهامش الاجتماعي والوجود الفردي، كل واحدة منها تحمل بذرة مشروع درامي إذا ما توفرت لها رؤية إخراجية منتجة، وجرأة إنتاجية محسوبة.
إن الاتكاء على نجاح “شارع الأعشى” يجب أن يتحول إلى خطة عمل، لا إلى احتفاء عابر، فالصناعة الدرامية لا تقوم على الصدفة، بل على منظومة من المنتجين الذين يؤمنون بالنص المحلي، ومن كتاب سيناريو قادرين على تحويل السرد الروائي إلى بناء بصري، ومخرجين يرون في التفاصيل الصغيرة قيمة جمالية، لا عبئًا إنتاجيًا.
ومن هنا تبرز أهمية دخول قطاعات استثمارية أخرى إلى هذا المجال، لا بوصفه ترفًا ثقافيًا، بل بوصفه صناعة واعدة، فالرواية حين تتحول إلى مسلسل ناجح، لا تروّج لنفسها فقط، بل تنعش سوق النشر، وتحرك قطاعات الإعلان، وتخلق فرص عمل فنية وتقنية، وتفتح أبواب التوزيع الإقليمي والدولي، إنها سلسلة قيمة متكاملة تبدأ من قلم الكاتب، ولا تنتهي عند شاشة العرض، بمعنى أن الاستثمار هنا مزدوج دعمٌ للثقافة، وعائدٌ اقتصادي في آن واحد. وهذا ما يجعل تحويل الأعمال الروائية إلى دراما أو سينما خيارًا استراتيجيًا، لا مجرد مغامرة فنية. فالمحتوى المحلي الأصيل هو رأس المال الحقيقي في زمن تتشابه فيه الصور وتتنافس المنصات على القصة الأكثر صدقًا.
لقد أثبتت التجربة أن الجمهور السعودي لم يعد يبحث عن الحكاية المستوردة بقدر ما يتوق إلى أن يرى نفسه، بلهجته وملامحه وذاكرته، والرواية السعودية أنجزت نصف الطريق، حين كتبت هذه الذات بجرأة ووعي، ويبقى على الصناعة البصرية أن تنجز النصف الآخر، فتحوّل الكلمات إلى مشاهد، والذاكرة إلى صورة، والنجاح الفردي إلى تيارٍ متصل، فالطفرة الروائية التي نعيشها اليوم فرصة تاريخية، وإذا أحسنا استثمارها دراميًا وسينمائيًا، فإننا لا نصنع أعمالًا ناجحة فحسب، بل نصوغ سرديتنا الوطنية بأدوات العصر، ونمنح الحكاية السعودية أجنحةً أوسع من الصفحة… وأبعد من الشاشة.

