إحدى وسائل الترفيه وأحيانا النقد الخروج من محيط الأخبار غير السارة والدخول إلى عالم السخرية ومنها السخرية السوداء التي تتعامل مع المواقف الصعبة والظروف المؤلمة بالأساليب الفكاهية كوسيلة لعدم الاستسلام للقلق والتوتر وأحيانا تستخدم كوسيلة للنقد غير المباشر كما يحصل في المسرحيات الفكاهية، والكتابات الساخرة.
هل يمكن وصف السخرية بأنها فن؟ هل هي فن حين تكون وسيلة للنقد الهادف، أو حين تكون وسيلة للتخلص من ضغط المواقف الصعبة كما هي الحال في السخرية السوداء من خلال المسرحيات والمقالات والكتب؟
السخرية سلوك تستدعيه ظروف معينة ومنها ما يعتبر تنمرا على الآخرين، وأحيانا يستخدمها الإنسان ليتنمر على نفسه، هذا التنمر الذاتي يكون أحيانا وسيلة دفاع مسبقة عندما يصف إنسان نفسه بالجهل في موضوع معين حتى لا يأتي هذا الوصف من الآخرين.
السخرية تعبير وصفي أو نقدي يتضمن بعض الإيجابيات إذا لم يصل إلى منطقة الهجاء أو العنصرية أو التنمر، أما من يتنمر على نفسه فهنا يكون الوضع حرية شخصية. وقد تستخدم السخرية كوسيلة دفاع أو هروب في ساحة النقاش حين تضعف الحجة فيكون الحل اللجوء إلى السخرية من الفكرة المطروحة أو من صاحبها!
السخرية إذا خرجت من المنطقة الفكاهية والنقد البناء إلى منطقة التنمر سواء على مستوى الأفراد أو الدول فإنها قد تؤدي إلى نتائج وخيمة. وحين تصل السخرية إلى مستوى المبالغة في النقد السلبي فهذا سلوك ينشر الأفكار السلبية التشاؤمية.
في بيئة العمل مثلا سينظر لسخرية المدير المستمرة من أحد الموظفين بمناسبة وبدونها بأنها تنمر وسوء سلوك، وإذا كان هذا السلوك مع جميع الموظفين فإن بيئة العمل في هذه الحالة هي بيئة سلبية تفتقد للثقة والاحترام والعلاقات الإنسانية الإيجابية. بيئة العمل الإيجابية تشجع التفكير الإيجابي وتسمح بالنقد البناء وتقديم المبادرات وطرحها للنقاش بصرف النظر عن اسم من قدم هذه المبادرات. السخرية في بيئة العمل ليست مرفوضة بشكل قاطع، هي إيجابية حين تكون للتسلية أو طرح نقد غير مباشر لا يصل إلى تجريح الأشخاص. في بيئة العمل قد تعمل السخرية الجميلة على تقوية العلاقة الإنسانية والمهنية بين أعضاء فريق العمل.
من أخطر أنواع السخرية تلك التي تسخر من الإنسان لأسباب عنصرية أو سمات شخصية أو حالة اجتماعية، قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم".. ومن السخرية السلبية تلك التي تصل حد الاستهزاء والتنمر أو ترسيخ أفكار سلبية جاهزة عن فئة معينة من الناس تصل حد الشيطنة الثابتة.
ولعل إحدى الوسائل الوقائية للتعامل مع هذا النوع من السخرية يبدأ من البيت والمدرسة لتأسيس ثقافة الاحترام والنقد الهادف البناء وقد تكون السخرية الفكاهية غير المؤذية إحدى وسائل هذا النقد.
الأسرة مدرسة، والمدرسة أسرة، وبهذا المفهوم يمكن الترحيب بأفكار الأطفال والشباب وطرحها للنقاش حتى لو بدت صغيرة. مفهوم الأسرة مفهوم يوفر بيئة تعزز الثقة وتحفز على المشاركة لتحقيق التكامل والعمل بروح الفريق لينتقل هذا المفهوم إلى المجتمع ككل حيث الترحيب بالنقد البناء حتى لو كان عن طريق السخرية الفكاهية الإيجابية.

