: آخر تحديث

الدعم السريع.. من قوات الرئاسة إلى طموحات أكثر!

2
2
2

محمد بن عيسى الكنعان

معرفة ما يجري في السودان بين الحكومة السودانية وجيشها، وميليشيات الدعم السريع يتطلب الانطلاق من فكرة محورية، وهي أن حدوث اضطراب، أو نزاع مسلح، أو هشاشة أمن، أو تعطيل للتنمية في بعض البلدان العربية -بما فيها السودان- يعود بالدرجة الأولى إلى وجود كيانات موازية للأنظمة الحاكمة داخل هذه الدول، أو ميليشيات عسكرية تماثل القوات النظامية فيها، كحال (حزب الله) في لبنان، أو جماعة الحوثي باليمن، أو الحشد الشعبي في العراق، أو الدعم السريع بالسودان. هذه الكيانات أو الميليشيات لم تمارس سياسة أحزاب المعارضة، أو سلوك القوى والتيارات الوطنية، إنما صارت تروسًا لمشروعات إقليمية كالمشروع الإيراني كحال (حزب الله) والحوثي والحشد الشعبي، أو كحال الدعم السريع المرتبط بدول إقليمية تعمل في إطار هذا المشروع.

هذا الخلل العسكري في هيكلية الدولة العربية يُعد من أسباب الواقع العربي اليوم من حيث عدم استقراره، وتهديد أمنه، وتعطيل تنميته. والسودان مثال حيّ وحاضر على هذا الواقع المرير الذي يعيشه، والكارثة أن النظام السوداني السابق (نظام عمر البشير) أراد أن يُعالج أزمة التمرد في دارفور فارتكب خطًأ إستراتيجيًا بإيجاد قوة توازي الجيش وهي (قوات الدعم السريع)، التي لم تكن معروفة بهذا الاسم، إنما خرجت من رحم ميليشيا (الجنجويد)، التي هي عبارة عن تحالف قبلي لمجموعات مسلحة، وقد ظهرت في إقليم دارفور خلال عقد الثمانينيات الميلادية، غير أن النقلة النوعية للجنجويد كانت عام 2003م، عندما تحولت من ميليشيات قبلية تُدافع عن مصالحها إلى قوة عسكرية تدعمها الدولة لمواجهة تمرد مسلح لحركتي (تحرير السودان والعدل والمساواة) في دارفور؛ فتم تسليحها وتدريبها ومنحها غطاءً جويًا، وأُطلق عليها رسميًا (الجنجويد)، ويعتبر موسى هلال زعيم عشيرة المحاميد من قبيلة الرزيقات، هو المؤسس الروحي وقائدها الأول، كما أن محمد حمدان دقلو المعروف بـ(حميدتي) كان أحد قادتها الميدانيين، وهو من نفس العشيرة.

الخطأ الإستراتيجي الذي ارتكبه نظام البشير حدث عام 2013م عندما أصدرت رئاسة الجمهورية السودانية قرارًا رسميًا بإعادة هيكلة (الجنجويد) لتصبح (قوات الدعم السريع) تحت قيادة حميدتي، وصارت تتبع جهاز الأمن والمخابرات الوطني. ومع تشكيل التحالف العربي لحماية الشرعية في اليمن عام 2015م الذي قادته المملكة شارك السودان بمجموعة من الجنود كان من ضمنهم جنود من قوات الدعم بقيادة حميدتي، وكانوا تحت إشراف مباشر من القوات الإماراتية المشاركة بالتحالف.

وفي عام 2017م أصبحت قوات الدعم السريع قوة عسكرية مستقلة بعد موافقة البرلمان السوداني، وصارت تتبع مباشرةً رئيس الجمهورية لكونه القائد العام للقوات المسلحة، ولها ميزانيتها المستقلة وهيكلها الخاص، وبهذا أصبحت قوات الدعم السريع كيانًا عسكريًا وموازيًا للجيش. هذه الشرعية والاستقلالية منحت قوات الدعم السريع نفوذًا عسكريًا فاعلًا، وصارت عاملًا رئيسًا في أحداث السودان التالية؛ ففي عام 2019م انحازت إلى المتظاهرين ضد نظام عمر البشير، وبعد سقوط هذا النظام تقاسمت السلطة مع المدنيين الممثلة بحكومة عبدالله حمدوك، وصار حميدتي عضوًا ونائبًا لرئيس مجلس السيادة للحكومة الانتقالية، ما مكَّن الدعم السريع من زيادة موارده المالية من خلال تعدين الذهب عبر شركة حميدتي، خاصةً في ذلك العلاقة المتصاعدة مع الإمارات.

بعدها بسنتين (2021م) تحالف حميدتي مع عبدالفتاح البرهان قائد الجيش (قبل أن يُصبح رئيس مجلس السيادة الانتقالي)، إلا أن هذا الحِلف بدأ يتضعضع عام 2022م بعد احتدام النقاش في مسألة دمج قوات الدعم السريع - تتراوح بين 100 ألف و150 ألفاً - في تشكيلات الجيش السوداني، فالجيش يرى الدمج خلال سنتين، بينما الدعم يراه خلال عشر سنوات، كما اختلفوا على تبعية هذه القوات! هل تكون للجيش أم لرئاسة الجمهورية، وأيضًا حول إدارة التعدين وموارد السودان الرئيسة؛ حتى تطور الخلاف السياسي بين الجيش السوداني وقوات الدعم إلى صدام عسكري، ثم توسع إلى حرب مفتوحة أبريل عام 2023م، نتج عنها خلال ثلاث سنوات سقوط قتلى يتجاوز عددهم 150 ألف قتيل، كما وقعت انتهاكات من قبل وقت الدعم السريع في الفاشر كالتطهير العرقي، واغتصاب النساء وقتل الأطفال، إلى جانب قصف مراكز الإغاثة والمستشفيات الميدانية، وحدوث مجاعة في دارفور مثل (معسكر زمزم)، ونزوح أكثر من 12 مليون شخص من منازلهم، ولا يزال الشعب السوداني يعاني من تبعات هذه الحرب المدمرة، التي تهدّد وحدة التراب السوداني، وتجعله تحت طائلة التقسيم خدمةً للكيان الصهيوني من خلال ارتبط حميدتي -عبر دولة إقليمية- بمشروع الانفصال الذي يمتد من اليمن، مرورًا بالصومال، ثم السودان إلى ليبيا.

القوة العسكرية التي يتمتع بها الدعم السريع ما كانت لتستمر بهذه النوعية والقدرة لولا التمويل الذاتي من خلال تصدير الذهب، فهذه القوات تسيطر على معظم مناجم الذهب في دارفور وكردفان، ويتم تهريبه وبيعه عبر أسواق دولة إقليمية لشراء السلاح. إلى جانب قيام الدعم بفرض جبايات ورسوم باهظة على الشاحنات التجارية، والأسواق في المناطق التي يُسيطر عليها. كما أن عائلة حميدتي (دقلو) تملك استثمارات خارجية في عدة دول.

إلى جانب القدرة المالية هناك الدعم الإقليمي، حيث يتهم الجيش السوداني دولة الإمارات صراحةً بتقديم الدعم العسكري واللوجستي لقوات الدعم السريع، من خلال مطارات مجاورة كما في تشاد (مطار أم جرس)، أو معسكرات التدريب في إثيوبيا، أو عبر مناطق نفوذ حفتر في ليبيا التي تُشكل عمقًا إستراتيجيًا للدعم، أو عبر ممرات تجارية وعسكرية غير رسمية على حدود جنوب السودان. الأمر الذي دفع بالحكومة السودانية إلى التصعيد عالميًا عبر المنظمات الدولية ضد حكومة الإمارات.

أما دوليًا فهناك مرتزقة كولومبيا، الذين تم تجنيدهم عبر شبكات دولية للمشاركة في القتال مع قوات الدعم أو تقديم التدريب لها. وأيضًا مجموعة (فاغنر) الروسية، التي قدمت الدعم في مجال الدفاع الجوي، إلا أن العلاقة بينهما تراجعت منذ 2025م بسبب تغير الموقف الروسي الرسمي من الأحداث السودانية.

الإشكال القائم في الواقع السوداني أن التكوين القبلي لقوات الدعم السريع لا ينحصر داخل السودان، إنما له امتدادات قبلية في عدة دول إفريقية، ما مكَّن حميدتي من تلقي الدعم والصمود أمام الجيش السوداني، بل الانتصار عليه في بعض المواقع، فالقبائل المتحالفة في إطار الدعم السريع لها فروع نافذة في دولتي تشاد والنيجر، كما أن الأصول القبلية لقبائل دارفور تتشابه مع القبائل العربية في جنوب ليبيا وشرقها، أيضًا استطاع الدعم السريع استقطاب آلاف المقاتلين من إفريقيا الوسطى ومالي، بحكم التداخل القبلي في منطقة الساحل الإفريقي، واستقطاب المنشقين من الشرطة والجيش، إضافةً إلى قيامه بعمليات تجنيد إجباري في المناطق التي يُسيطر عليها؛ لذلك اعتمد الجيش السوداني على أكثر من إستراتيجية لكسر قوة الدعم السريع، داخليًا؛ بالابتعاد عن الحرب في المناطق المفتوحة التي يُجيد الدعم القتال فيها، والتركيز على حرب المدن، في ظل التفوق الجوي للجيش، وكذلك اختراق الحاضنة القبيلة للدعم عبر تفكيك الولاء القبلي داخل قبيلة الرزيقات نفسها عن طريق استمالة الزعماء التاريخيين أمثال موسى هلال (زعيم المحاميد)، الذي انحاز إلى الجيش في 2024م، كذلك تشكيل مقاومة شعبية في عدد من الولايات بتسليح المدنيين فيها وبالذات الشمالية والشرقية، وأيضًا قيام الجيش بعقد تحالف مع حركات دارفور المسلحة مثل حركتي تحرير السودان، والعدل والمساواة (جبريل إبراهيم)، اللتين قاتلتا ضد الدعم السريع في دارفور والفاشر، بحيث يُسهم هذا التحالف في إسقاط فكرة أن الدعم السريع هو من يمثِّل دارفور.

أما خارجيًا فتعتمد إستراتيجية الحكومة السودانية -التي يعمل الجيش في إطارها- على تصنيف قوات الدعم السريع باعتبارها ميليشيا إرهابية، من خلال توثيق جرائم التطهير العرقي في دارفور، وجرائم ضد الإنسانية في الفاشر، وجريمة تجنيد مقاتلين أجانب تحت شعارات عرقية.

هذه الإستراتيجية وجدت مساحتها للتفعيل والتحرك من المملكة العربية السعودية بإطلاع الإدارة الأمريكية على كامل الوضع في السودان خلال زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله- إلى الولايات المتحدة في نوفمبر 2025م والطلب منه المساعدة في وضع حد لهذه الحرب المدمرة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد