وُلدت شخصية "أميليا" ضمن حملة اتصالية توعوية من وزارة الداخلية البريطانية، اعتمدت على السرد الإنساني لشخصية افتراضية مستوحاة من المجتمع المحلي، بدلاً عن خطاب مؤسسي مباشر! كان الرهان أن القصص الإنسانية تُقنع أكثر من المواد الاتصالية التقليدية، لكن حصل ما لم يكن بالحسبان، تحوّلت "أميليا" إلى شخصية أخرى معاكسة تماماً!
في عالم المنصات المفتوحة، لم تعد ركاكة الصياغة أو رداءة التصميم أخطر ما يحيق بالرسالة الإعلامية، بل فقدان السيطرة على السرد، قصة "أميليا" تمثل مثالاً حياً لما يمكن تسميته "الاختطاف السردي": كيف ولدت قصة بنيّة أخلاقية واضحة، ثم نُزعت من سياقها، وتحوّرت إلى أداة خطاب مضاد تمامًا!
أطلقت النسخة الأولى من "أميليا" -الفتاة البريطانية ذات الشعر الأرجواني- في لعبة فيديو لمكافحة التطرف مولتها وزارة الداخلية البريطانية، وصممت لردع الشباب عن الانجذاب نحو التطرف اليميني، وكانت عبارة عن لعبة رسوم متحركة بسيطة، يُطلب من اللاعبين اتخاذ قرارات، ضمن سيناريوهات تدرب على التفكير النقدي، وكشف أساليب الاستقطاب الأيديولوجي.
لكن فجأة في التاسع من يناير أُعيد تقديم "أميليا" من حسابات متطرفة في منصات التواصل الاجتماعي، عبر محتوى ذكاء اصطناعي مولّد، على أنها صوت "الأغلبية الصامتة"، وأنها ضحية للهجرة وليس العنصرية، ومثال للقلق الوطني وليس التنوع العرقي، ببساطة ما حدث لم يكن اختراقًا تقنيًا، بل استيلاء رمزي على شخصية وقصة، والمثير استغلال نفس يوميات وخصائص الشخصية، لكن بمعنى مختلف، وانحرفت من قصة تعاطف إلى أداة شحذ وتعبئة، وللأسف انتهت المبادرة إلى نتائج معاكسة لأهدافها، وانقلبت حملة توعوية إلى وقود خطاب إقصائي، وأثرت سلبًا على مصداقية التواصل الحكومي الرقمي!
ما لم يُحسب بدقة هو أن السرد حين يُطلق بلا تحصين، يصبح قابلًا لإعادة الاستخدام والتفسير، لأن الحملة وقعت في ثلاثة أخطاء مركزية: الأول: غياب الهوية المحصّنة، إذ لم تُربط الشخصية بإطار مرجعي صريح أو خطوط حمراء أخلاقية تمنع إعادة تعريفها، الثاني: الانفتاح غير المنضبط، حيث اعتمد على التفاعل المفتوح دون إدارة حازمة، مما سمح بإعادة تدوير الشخصية خارج سياقها الأصلي، والثالث: تجاهل البيئة السياسية والاجتماعية: أُطلقت القصة في فترة حساسة تشهد صعود خطاب يميني متطرف، يقتات على قضايا الهوية والهجرة.
لتفادي الاختطاف السردي، أعتقد أنه يجب على مخططي التواصل الاستراتيجي الالتزام بأربع قواعد، الأولى: حوكمة السرد قبل إطلاقه، فكل قصة تحتاج إطارًا أخلاقيًا واضحًا غير قابل لإعادة التوظيف، الثانية: المراقبة المعنوية وليس الرقمية فقط، لا ترصد التفاعل فحسب، بل كيف يُعاد تفسير القصة، الثالثة: التحصين المتواصل، والافتراض دوماً وجود خصم سردي ذكي سيحاول قلب المعنى، والرابعة وهي الأهم: الاستعداد للدفاع السردي، لأن إطلاق قصة دون الاستعداد بخطة دفاع ومعالجة مخاطر هو تنازلٌ مبكر عن السيطرة.
تُعلّمنا قصة "أميليا" أن السؤال لم يعد: هل قصتنا مؤثرة؟ بل هل قصتنا محصّنة؟ لأن من يترك قصته بلا حراسة ولا متابعة.. سيجدها في لحظة ما تروّج لما لم يقصده أبدًا.

