ليست «رؤية 2030» برنامجاً تنفيذياً قابلاً للاختزال في مشاريع محددة أو جداول زمنية، ولا سردية إنجاز تُقاس بمنطق الافتتاح والإغلاق والتأجيل. الرؤية، في معناها الأعمق، مشروع ذهني - ثقافي أعاد ترتيب العلاقة بين الإنسان السعودي وذاته، وبين المجتمع وفكرة المعنى، وبين الدولة ومفهوم الدور. ومن يقرأها خارج هذا الإطار يظلمها مرتين: مرة حين يحصرها في الجزئي والعابر، ومرة حين يغفل أثرها البنيوي في تشكيل الوعي والسلوك.
ما فعلته الرؤية هو أنها نقلت السؤال المركزي من: «ماذا نملك؟» إلى: «مَن نكون؟ وماذا نستطيع أن نصنع؟». هذا التحول في مركز الثقل هو جوهر أي نهضة حقيقية. فالدول لا تتغير بالقرارات وحدها، بل بتغيير العقل الذي يتلقى القرار. والرؤية اشتغلت، بوعي عميق، على هذا المستوى تحديداً: مستوى الذهنية السعودية، لغةً وسلوكاً وتمثلاً للذات.
تغيّرت لغة السعوديين، وهذه ليست مسألة شكلية. اللغة مرآة الوعي وأداته في آنٍ. مفردات مثل: التنافسية، والقيمة المضافة، والابتكار، والاستدامة، والأثر، والريادة... لم تعد عناوين مؤسسية، بل دخلت القاموس اليومي. وحين تتبدل اللغة، تتبدل خرائط التفكير. لم يعد النجاح يُعرّف بوصفه موقعاً وظيفياً أو امتيازاً اجتماعياً، بل بوصفه قدرة على الإضافة، وعلى تحويل المعرفة إلى فعل. هذا التحول اللغوي هو من أخطر وأعمق ما أحدثته الرؤية، لأنه يُنتج سلوكاً جديداً من تلقاء نفسه.
في التعليم، يظهر هذا التحول بأوضح صوره. لم يكن إصلاح المناهج هدفاً بحد ذاته، بل كان مدخلاً لإعادة تعريف الطالب. إدخال الفلسفة والتفكير النقدي، وربط التعليم بسوق العمل والبحث العلمي، وتوسيع الخيارات التعليمية، كل ذلك يعكس رؤيةً ترى في الطالب فاعلاً معرفياً لا متلقياً. لم تعد المدرسة مكاناً لإعادة إنتاج المسلّمات، بل مساحة لاختبار الأسئلة وبناء المهارات. ومن هنا يمكن فهم مشهد التنافس العلمي المتنامي بين الطلاب والطالبات، ليس بوصفه ظاهرة احتفالية، بل بوصفه نتيجة منطقية لبيئة تعليمية جديدة.
وحين يحصد طلاب من مختلف مناطق المملكة جوائز علمية في الطب والرياضيات والطاقة والفيزياء والبيئة، فالقيمة لا تكمن في الجائزة، بل في اعتيادية التفوق. التفوق هنا لم يعد استثناءً يُحتفى به مرة، بل صار مساراً متكرراً. وهذا هو الفارق بين مجتمع يُنتج النجوم، ومجتمع يُنتج القاعدة القادرة على التميّز. الرؤية اشتغلت على القاعدة.
اقتصادياً، لا يمكن قراءة الأرقام خارج سياقها الفلسفي. التنويع، وتمكين القطاع الخاص، وإعادة معايرة الأولويات، وضبط الأسواق، كلها ليست إجراءات محاسبية، بل تعبير عن تصور يرى الاقتصاد أداةً لبناء الإنسان، لا أن الإنسان تابع للاقتصاد. الرؤية لا تسعى إلى نمو كمِّي مجرد، بل إلى نمو ذي معنى، ينعكس على جودة الحياة وعلى قدرة المجتمع على التكيّف والإنتاج. ولهذا فإن المراجعة وإعادة التقييم ليست علامة ارتباك، بل جزء من عقلانية دولة تعرف أن الكفاءة أعلى قيمة سياسية واقتصادية في زمن التحولات الكبرى.
على المستوى الثقافي والاجتماعي، أعادت الرؤية الاعتبار لسؤال الهوية، لا بوصفه صراعاً، بل بوصفه استعادة هادئة. الهوية هنا ليست شعاراً ولا انغلاقاً، بل تفاعل حي بين التاريخ والمستقبل. الاحتفاء بالتراث، واللغة، والفنون، وتنوّع المناطق، لم يعد تعبيراً عن حنين ساذج، بل عن وعي جديد يرى في التعدد ثراءً وطنياً. هذا الانبعاث الهويّاتي لا يحمل نزعة إقصائية، ولا يحتاج إلى أقواس آيديولوجية؛ لأنه مرتبط بمشروع وطني واضح المعالم، يقدّم الدولة بوصفها الإطار الجامع والمعنى الأعلى.
سياسياً، انعكس هذا التحول الداخلي في حضور دولي أكثر ثقة واتزاناً. الدولة التي تُعيد بناء عقل مجتمعها، وتستثمر في المعرفة، وتُحسن إدارة هويتها، تصبح بطبيعتها أكثر قدرة على الفعل والتأثير. ليس لأنها تبحث عن دور، بل لأن الدور يتشكّل حين تتراكم عناصر القوة المادية والرمزية معاً.
هذه هي «رؤية 2030» التي يغفل عنها كثيرون: ليست قصة مشاريع، بل قصة إنسان. رؤية أعادت تعريف العلاقة بين المعرفة والمسؤولية، وبين الطموح والهوية، وبين الفرد والوطن. وما نراه اليوم من تغير في اللغة والسلوك والتوقعات ليس أثراً جانبياً، بل هو المنجز الأعمق. فالتحولات الكبرى لا تبدأ من الخارج، بل من الداخل؛ من العقل الذي يجرؤ على إعادة تعريف ذاته، ومن مجتمع قرر أن يكون فاعلاً في زمنه، لا شاهداً عليه.

