محمد سليمان العنقري
بنى رئيس وزراء كندا الصريح تصوره حول نهاية نظام حكم علاقة شراكات وتعاون الدول مع بعضها عموماً، والكبرى خصوصاً، لعقود مضت على مبدأ التكامل الاقتصادي والمنفعة المتبادلة بعد سلسلة من الإجراءات التي اتخذتها أميركا منذ عام تقريباً في بداية ولاية الرئيس ترمب لتحقيق عدة أهداف، أهمها خفض العجز بالميزان التجاري وخفض نفقات الموازنة وذلك لكبح نمو الدين السيادي، إضافة لجذب الاستثمارات للتصنيع داخل أميركا لتقليل الواردات، بل إن مارك كارني ذهب لأبعد من ذلك، متهماً تلك القوى الكبرى، ويعني أميركا تحديداً بتكييف القوانين الدولية بما يناسبها، عكس ماهو منصوص عليه؛ أي أن المتمعن بحديثه سيجد أن ما يقصده هو عدم التزام تلك القوى بالقوانين العالمية للعلاقات التجارية. عندما ترى أن لديها مصلحة بذلك، مما حول العالم لمرحلة جديدة من حرب تجارية نتائجها تعني شيئا واحداً، ان القطيعة بالنظام العالمي السائد بدأت معلنةً نهايته والانتقال لنظام جديد تحكمه المصالح الضيقة وتحالفات جديدة، ولم يعد فيه مكان للعولمة أو أي دور مؤثر لمنظمة التجارة الدولية وغيرها من المنظمات العالمية
لكن المفارقة أن حديث المسؤول الكندي أتى بعد تضرر مصالحهم وتراجع صادرات بلاده لأميركا باكثر من 6 مليارات دولار؛ حيث تعتمد كندا على الطلب الأمريكي الهائل لمنتجاتها وسلعها فالقوى الغربية بما فيها الاوروبيون لم يسمع منهم طوال عقود طويلة أي حديث ينتقد عدم عدالة العلاقات الاقتصادية والتجارية الدولية، طالما كانوا مستفيدين منها إلا أن تغير أميركا نحو النظر لمصالحها بعيداً عن حلفائها الاوروبيين كي تضبط مديونتها ونفقاتها وتعيد الانتاجية لبلادها مع إعادة بناء تحالفاتها في جغرافية مختلفة عن أوروبا، وأكثر فائدة منها والتي منذ إطلاق اليورو أصبحت بالنسبة لأميركا منافسا ليس بالصناعة أو التكنولوجيا، بل بما هو أخطر من ذلك، وهو مزاحمة العملة الاوروبية المدعومة باقتصاد حجمه يفوق 18 تريليون دولار ومتقدم صناعياً وتكنولوجياً للدولار عملة الاحتياط الأولى بالعالم وحجر الزاوية في قوة أميركا الاقتصادية العالمية؛ فاليورو يحمل موثوقية قوية ومؤهل لأخذ حصة من الدولار عالمياً، ولذلك هناك عدة نقاط لابد من النظر لها كي يعرف العالم أين يتجه مسار نظامه الجديد.
فترة الرئيس ترمب الحالية منذ بدايتها حملت مفاجآت، منها عرضه ضم كندا لتكون الولاية الامريكية 51 وهو ما قوبل برفض قاطع، إضافة لطلبه شراء غرينلاند، هذه الجزيرة التي تمثل ليس مصدر ثروات طبيعية فقط إنما الأهم هو الأمن القومي لأميركا بأبعاد القطع البحرية العسكرية الصينية والروسية بعيداً عنها كي لا تكون منصة تجسس وتهديد لامنها حسب نظرة الامريكيين اصافة للتصعيد مجدداً مع ايران وكذلك التهديد بمزيد من فرض الرسوم على من يستورد النفط الروسي او الايراني كما أن عودة الحديث عن استراتيجية أمريكية قديمة تسمى « أطراف الأرض « يفتح النقاش حول تحركها للتمكن من مفاتيح الجغرافية بالعالم، وخصوصاً السعي للتمركز في أوراسيا لتكون قريبة أكثر من الصين وتعمل على إضعاف مبادرة الحزام والطريق التي رفعت كثيراً من حجم تجارتة بكين مع العالم كما انه بالمقابل فان الصين تتقدم بكل الاتجاهات عالمياً سواء في تجارتها أو استثماراتها الخارجية، وتعزيز حضورها السياسي والعسكري دولياً مع شراكات كبرى جغرافياً في آسيا وافريقيا واميركا اللاتينية أما أوروبا فاصبحت امام واقع لا مفر منه وهو الانفصال عن أميركا في العديد من الملفات بسبب تباين التوجهات والمصالح بينهم، فتفكر حالياً بإنشاء قوة عسكرية خاصة بها وتهدد بسلاح استثماراتها في أميركا التي تقارب 12 تريليون دولار منها قرابة 3 تريليونات سندات حكومية، وذلك بتفعيل آلية الإجراءات المضادة للاكراه رغم ان ذلك يبدو مستحيلاً لان لدى اميركا القدرة على رد سيكون بالغ الأثر على أوروبا ونظامها المالي.
دافوس هذا العام، شهد صراحة غير معتادة في حديث الكثير من المشاركين، خصوصا الأمريكيين والاوروبيين من سياسيين وقادة تنفيذيين لشركات عملاقة، وأيضا مستثمرين حول أن العالم لم يعد كما كان؛ إذ يبدو ن فترة الرئيس ترمب لم تكن الا من مراحل استراتيجية امريكية جديدة تبني فيها تحالفات جديدة ولها توجهات مختلفة تماماً عن حلفائها التقليديين في اوروبا وتسعى لاضعاف الاقطاب الجديدة المنافسة لها مما يعني ان العالم سيشهد تغييرات كبرى في دور المنظمات الدولية واعادة تشكيل ادوارها وقيام تحالفات مضادة للنهج الامريكي كان ينظر لها انها مجرد احلام مستحيلة التحقق كالتقارب الكندي الصيني وغيره مما سيظهر في الأعوام الخمسة القادمة.

