كل شيء في خدمة الوصول إلى «حل سياسي»، الدبلوماسية والقوة العسكرية، كلتاهما تسير في مسارين متوازيين تنتهجهما الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، لأن الأهداف لا تزال متباينة بين الطرفين؛ فواشنطن تريد أن تمنع طهران من امتلاك سلاح نووي، والأخيرة ترغب في رفع العقوبات الاقتصادية، وبين هذين الهدفين كثيرٌ من التفاصيل المعقدة والملفات المتداخلة التي تصعّبُ من مهمة الوسيط العماني!
الجولة الثانية من المحادثات الأميركية - الإيرانية التي عقدت في جنيف 17 فبراير (شباط) الحالي، تم التأكيد فيها على إطار «مبادئ توجيهية»، تمهيداً لانتقالها إلى مرحلة التفاصيل الأكثر دقة في الجولة التالية، والتي على الأرجح ستُعقد بعد نحو أسبوعين، وستكون أكثر حسماً، وستُحدد الاتجاه نحو مزيد من التفاهم وبناء الثقة المعدومة أو التصعيد العسكري!
من يرصد التصريحات من مسؤولي البلدين يجد تشبثاً بـ«الدبلوماسية» و«الردع» في آنٍ معاً. الرئيس الأميركي دونالد ترمب قال إن المحادثات «مستمرة»، وربطها أيضاً بحديث عن تحريك أصول بحرية كبيرة!
مرشد الثورة علي خامنئي، تحدّث في يوم «المفاوضات» ذاته بنبرة عالية، موجهاً تهديداً مباشراً لأسطول البحرية الأميركية، قائلاً: إن «الجيش الذي يظنّ نفسه أقوى جيش في العالم قد يتلقّى صفعة قاسية إلى حدٍّ لا يستطيع معه النهوض من مكانه».
التوازي بين الحوار والتهديد يخلق بيئة تفاوضية مختلفة عن نمط «المساومات الدبلوماسية» التي تجري عادة خلف الأبواب الموصدة! فالطرفان يُلوّحان بأن تكلفة الفشل ستكون عالية، في حين يناقشان احتمالات النجاح، في مسعى لتعديل ميزان المخاطر، كلٌّ لصالحه.
في هذا السياق، تظهر وظيفة خطاب المرشد خامنئي، واضعاً حدّاً لسقف المرونة الإيرانية، وهو بقدر ما يرسل إشارات قد يعدّها البعض «سلبية»، فإنه قد يمنح المفاوضين الإيرانيين هامشاً للمناورة، دافعاً إياهم إلى ممارسة لعبتهم الأثيرة «التفاوض على حافة الهاوية»، وهو منهج، وإن نجح بشكل جزئي مع الإدارات الأميركية السابقة، فإنه يُمثل مخاطرة عالية مع إدارة الرئيس الحالي دونالد ترمب.
الإيرانيون يسعون عبر ذلك إلى رفض مطلب «صفر تخصيب»، معتبرين إياه «غير عقلاني»، ساعين إلى تأكيد حقهم في التخصيب وفق المستويات التي تقرها «الوكالة الدولية للطاقة الذرية».
أما ما يُمكن أن تقدمه إيران ضمن هذا السقف فيظهر بوصفه حزمة تقنية مرحلية، يمكن تحديدها بمعالجة ملف مخزون اليورانيوم مرتفع التخصيب عبر تخفيفه أو تحويله، أو ترتيبات رقابية تحت إشراف دولي، يضاف إليها توسيع إجراءات التفتيش والتحقق وصياغة جدول زمني يربط كل خطوة نووية بمقابل محدد في تخفيف العقوبات.
رغم ذلك، لا تزال هناك هوة واسعة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، فصحيفة «وول ستريت جورنال» نقلت عن نائب الرئيس جي دي فانس قوله، إن إيران لم تستجب بعد لمطلب أميركي أساسي يتعلق بالتخصيب، مع الإشارة إلى نافذة زمنية قصيرة لإحضار مقترحات تقلص الفجوات. وزير الخارجية مارك روبيو، يبدو أنه مدرك تماماً لمدى صعوبة المباحثات الجارية مع طهران، قائلاً، إنه «لم ينجح أحد في عقد اتفاق ناجح مع إيران... ومع ذلك سنحاول».
حديث روبيو يُشير إلى أن الإدارة الأميركية تترك هامشاً ولو صغيراً لترتيب مرحلي يبادل القيود والتحقق بتخفيف تدريجي للعقوبات، مع إبقاء الملفات الأخرى محفوظة إلى مرحلة لاحقة، دون إغفالها أو منح إيران إعفاءً من مسؤولياتها تجاهها!
الوساطة العُمانية تلتقط هذه المساحة بين السقفين. فبيان «وزارة الخارجية» نقل عن الوزير بدر البوسعيدي تأكيده «بُذلت جهود جادة لتحديد عدد من المبادئ التوجيهية لاتفاق نهائي»، ثم «لا يزال هناك كثير من العمل، وغادرت الأطراف بخطوات لاحقة واضحة قبل الاجتماع التالي». هذا الاقتباس، بصيغته العربية، يوضح أن «المبادئ» ليست اتفاقاً سياسياً مكتملاً، بل جسر إلى صياغات فنية قابلة للاختبار.
أثر هذا المسار على الشرق الأوسط يرتبط بتوازن دقيق. نجاح الجولة المقبلة بخطوات فنية واضحة يخفف منسوب المخاطر في الخليج، ويُقلل احتمالات الحوادث المرتبطة بالاحتكاك البحري، ويمنح دول الإقليم مساحة أوسع لتثبيت سياسات خفض التصعيد. تعثر الجولة عند عقدة التخصيب مقابل العقوبات يرفع احتمال انتقال التهديد من مستوى الرسائل إلى مستوى إجراءات أكثر حدة، بما ينعكس على أمن الملاحة وأسعار الطاقة ومناخ الاستثمار. بعض الصحف وصفت الجولة بأنها لم تقدم اختراقاً مع «تقدم متواضع»، وهو توصيف ينسجم مع واقع أن الاتفاق يتحدد في التفاصيل لا في العناوين.
الجولة المقبلة تبدو أقرب إلى اختبار مكتوب: هل تحمل طهران مقترحات تقنية تقبلها واشنطن بوصفها قابلة للتحقق، وهل تُقدم واشنطن مقابلاً عقابياً يمكن قياسه والوثوق بتدرجه. احتمالات النجاح ترتفع مع حزمة تضبط المخزون عالي التخصيب، وتوسع التحقق، وتُقرن ذلك بتخفيف عقوبات مرحلي. احتمالات الفشل ترتفع إذا عاد النقاش إلى مطلب «صفر تخصيب» بوصفه شرطاً أولياً، أو إذا بقيت آليات رفع العقوبات ضبابية، أو إذا ارتفعت كثافة التلويح العسكري بطريقة تُضعف قدرة الوسطاء على حماية مسار الصياغة. في كل الأحوال، التفاوض يتحرك تحت ظل الأساطيل، والظلال نفسها جزء من المفاوضات.

