: آخر تحديث

ديوانية القلم الذهبي.. الصالة الكبرى

1
1
0

ناهد الأغا

في قلب العاصمة الحنونة، الرياض، تقف ديوانية القلم الذهبي شامخة، تحمل بين جدرانها تاريخا ًمن الأفكار والثقافة، وصوتاً لكل حلم سعى للبقاء، وفي أعماقها، تمتد الصالة الكبرى بسقفها العالي وجدرانها الواسعة، مزينة بلوحات ومخطوطات تروي ذكريات كل فكرة وُلدت هنا، والضوء الدافئ ينساب من الثريات المتدلية، ليخلق شعوراً بالفخامة.

قبل أيام، اجتمع اثنان وعشرون مشاركاً من مختلف الأعمار والتخصصات في الصالة الكبرى للديوانية، أشخاص جمعهم نداء الديوانية وشغف مشترك بالثقافة، ورغبة صادقة في حوار بنّاء، حيث دارت الجلسة حول مفهوم استدامة المشاريع الثقافية وأثرها في المجتمع، من زوايا متعددة عكست تنوع الخبرات والرؤى، وتساءل الحضور: كيف نحافظ على الثقافة ونضمن استمرار المشاريع؟ وما دور المؤسسات والمبدعين والأفراد في ترسيخ ثقافة الإبداع؟ وكيف تتحول المبادرات العابرة إلى أثرٍ دائم؟

وامتد الحوار إلى الأحلام والطموحات، تلك الشرارة الأولى لكل مشروع ثقافي، الشرارة التي تمنح العمل روحه، وتظل متجددة بفعل الحوار الذي يضيف إيقاعاً خاصاً يغني النقاش ويعمّق الفهم ،ومن خلال هذا الإيقاع، تحوّلت فكرة الاستدامة إلى فعلٍ مؤسسي واعٍ، يتجاوز المبادرات المؤقتة ليغرس أثراً ثقافياً ممتداً في الوعي والممارسة المجتمعية.

تحدثوا عن أهمية المبادرات المؤسسية التي تبني إرثا دائماً، وعن المشاريع الفردية التي تحتاج إلى دعم لتصبح جزءا ًمن النسيج الثقافي للمجتمع، وكل مشارك أضاف لمسته: جاءت النخبة المثقفة بالرؤى الثاقبة، والمحللون بالعمق الفكري، والكتاب المبدعون بتجاربهم الحية، بينهم شباب يحملون شغف أول تجربة، وأدباء يحملون أفكارهم في أعينهم كنجومٍ تنتظر البزوغ.

والانعكاس الأعمق هنا هو أن الحوار والإبداع يصبحان قوة حيّة: تحرك الأفراد، تغير المجتمع، وتغرس في الثقافة بذوراً تنمو على مر الزمن، فكل فكرة صغيرة تصبح جزءاً من نسيج أوسع، وكل مشروع فردي يتحول إلى إرث جماعي، وكل نقاش في الصالة الكبرى يتحول إلى شرارة تنير طريق الآخرين وتغرس بذور المستقبل.

والإبداع كائن حي ينبض معنا، يحتاج إلى بيئة صالحة تغذيه، ومساحة يزدهر فيها، وعناية لا تنقطع، إنه حوار دائم بين ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، بين ذكرى ووهج حلم لم يتحقق بعد، إن استدامة الإبداع تعني، في جوهرها، استدامة الإنسان ذاته: القدرة على رواية قصته، وصقل لغته، وحفظ ذاكرته الجمعية، ليظل صدى روحه حاضرا ًبيننا، يضيء لنا دروب الفهم والخيال.

وكما بدأ اللقاء تحت سقف الصالة الكبرى، ينتهي هناك حيث تتوحد النهاية بالبداية، في هذا الفضاء الذي شهد ميلاد الأفكار واحتضان الحوارات، تبقى الجدران شاهدة على لحظة ثقافية، خالصة.. فإلى لقاءٍ آخر تحت سقفها العالي.. حيث تبدأ الأحلام من حيث انتهت الأعمال.

فشكرًا لمن يزرعون بذور الثقافة، ويروون شتلات الحوار، ويحرسون أشجار الفكر حتى تظل خضراء، تثمر لكل قادم، وتروي لكل غادٍ

شكرًا ديوانية القلم الذهبي..


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد