: آخر تحديث

البغلة والماطور

8
8
8

خرج عمدة نيويورك، المثير للجدل، زهران ممداني، على جمهوره بقرار تركيب شطافات في حمامات مقر البلدية الرسمي، وكأنه يطلب الاقتداء به، وتقليل استخدام ورق التواليت. رحب الكثيرون بفكرته، خاصة من عانوا، وأنا أحدهم، من فكرة الوجود في الوقت الخطأ في الحمام الخطأ، بعد التعود على استخدام الشطاف، البدائي نوعا ما، والمتقدم، مقارنة بما كان عليه الحال، وهذا يعني أيضا أن فكرة استخدام ورق التواليت متقدمة، وصحية جدا، مقارنة بما قبلها. لكن الطريف أو المريح لغالبية البشر أنهم يتعايشون، ويبدون راضون تماما بما هم عليه، طالما أنهم لم يسمعوا يوما بما هو أفضل، وهذا ينطبق على طرق قضاء الحاجة، والاستحمام، وتنظيف الملابس والمكان وما نتناوله من طعام، وتبدأ المعاناة مع اكتشاف أن هناك شيء أو أشياء أفضل، لكن ليس من السهل الوصول لها. فالإنسان كان طوال تاريخه يمشي، وما أن استأنس الحيوان لنقله، حتى أصبح المشي معاناة. ثم اخترع العجلة، التي أدت لاختراع العربة والسيارة والقاطرة والطائرة، فرفض ركوب الدواب، بالرغم من أنه كان يرى في بغلته كاديلاكا.

استخدام الشطاف أمر جديد نوعا ما، ولا تعرفه، بتوسع، إلا قلة من الشعوب، ويبقى أكثر من ثلثي سكان الأرض يستخدمون أما ورق التواليت، أو اية مواد أو وسائل تنظيف مشابهة أخرى. وتعتبر الأجهزة المستخدمة في دورات المياه، العامة والخاصة، في اليابان، الأكثر تقدما في هذا المجال، والأعلى سعرا. وتوجد طرق تنظيف مماثلة لها، أقل تعقيدا وثمنا، في تركيا ومصر وإيطاليا، وافضل بكثير من استخدام ورق التواليت أو أوراق النباتات والقش، والحجارة الملساء أو قطع الفخار الصغيرة، التي استُخدمت قديمًا في اليونان، والاقمشة والخرق، التي تستخدم ثم تُغسل أو تُرمى. علما بأن الغرب لم يعرف ورق التواليت إلا في القرن الـ19، رغم أن الصين عرفته قبلها بـ1300 عام. وفي فرنسا وبعض دول أوروبا، بدأ استخدام الــbidet، وهو حوض مائي منخفض، ولا يزال ساريا. أما في روما، ما قبل المسيحية، فقد استخدموا إسفنجة مركّبة على عصا، تُغمس في ماء ممزوج بالملح أو الخل وتُستعمل بالتناوب بين المستخدمين، ثم تُعاد إلى حوض الغسل.

كانت الكنيسة في العصور الوسطى تحرّم الاغتسال، خاصة المبالَغ فيه؛ فعلاقتها بالاستحمام كانت معقّدة ومتذبذبة، وتشجيعها للطهارة دفعها للتضييق على الحمّامات العامة، لما فيها من عُري واختلاط ولهو. كما أثر انتشار الأوبئة، كالطاعون منذ القرن 14، ترسيخ الاعتقاد بأن فتح مسام الجلد، نتيجة الاستحمام بالماء الساخن يجعل الجسد أكثر عرضة «للأبخرة الفاسدة»، فقلّ الاستحمام في أوروبا لقرون، وساعد هذا على ترسيخ صورة «أوروبا القذرة» في المتخيل الشعبي. هذا التراجع لم يكن قراراً لاهوتياً خالصاً من الكنيسة بقدر ما كان مزيجاً من خوف صحي، وأخلاق رهبانية تميل إلى الزهد وتقليل التنعّم بالجسد، بحيث صارت نظافة البدن أقل أولوية في أوروبا المسيحية مقارنة بفقه النظافة لدى المسلمين، فمع زوال استخدام الحمامات العامة والخاصة، صار الإنسان يتخلص من فضلاته خارج المنزل، في الخنادق والمناطق المفتوحة، أو في القصريات التي لعبت دور المرحاض داخل المنزل، وتعقدت وتكاثرت العوائق في وجه الإصلاح بسبب تشديد الكنيسة آنذاك على «الإفراط في الاحتشام»، انطلاقا من فكرة خرافية تربط بين الشيطان والاستحمام، وانتشرت نتيجة لذلك الأوبئة وأهلكت بمرور الزمن الجزء الأكبر من سكان القرى والمدن. كما أدت نتائج حركة الإصلاح الديني في أوروبا إلى تفاقم تجاهل الصحة، لعدم إفساح المجال للشيطان للسيطرة على الجسد عند تعريته وتعريضه للماء والصابون. فأهملت التمديدات الصحية التي عرفها الإنسان قبل ألفي عام. وصار الناس حتى في قصور أوروبا الكبرى يطرحون فضلاتهم أنى وأين حلا لهم، بعد أن انتهى عهد الحمامات الرومانية الفخمة بحلول عام 500 للميلاد، مع سقوط الامبراطورية الرومانية على يد البرابرة، فدمروا الحمامات وقنوات جر المياه المصنوعة من التراكوتا. وعمل ذلك إلى جانب الجهل الذي ساد العصور الوسطى مع دعوة الكنيسة إلى الاهتمام بالروح من دون الجسد وعَدّ العناية به أمرا منكرا، وقصر النظافة على الضرورات القصوى مثل إخفاء رائحة الجسم الكريهة التي كان الأغنياء يتخلصون منها برش أجسامهم بالعطور، خلافاً للفقراء، الذين كانت نتانة أجسادهم مهلكة.



أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد