: آخر تحديث

الجراح من القلب

4
4
4

ليس الفنان والممثل يوسف الجراح، مجرد اسم مرّ مرور الكرام على شاشة أو وقف ذات مساء تحت ضوء خشبة المسرح، بل هو حكاية فنانٍ تشكّلت منذ وسط مرحلته الدراسية، تحديداً في الصف الثالث ثانوي قسم علمي، الفترة التي صعد فيها على خشبة المسرح المدرسي بثانوية الأبناء بحي الوزارات بالرياض، فبين جدران المدرسة اكتشفتُ موهبته عندما كنت معلماً ومرشداً طلابياً ومشرف النشاط المدرسي بالمدرسة ذاتها، لم يقبل بداية الأمر أن يكون ممثلاً، لكني ألححت وراهنت عليه، وأكدت له أن البذرة الفنية والموهبة لديه ستنمو مع قادم الأيام والسنين ليصبح تجربة فنية عميقة وفريدة، وافق ومن المسرح بدأ ومنه تعلّم أن الوقوف أمام الناس مسؤولية، وأن الخشبة لا تحب المتردّدين، في أول مسرحية تاريخية كان بطلها «يوم القادسية» اكتشف منها معنى المواجهة وتعلّم كيف يصغي للجمهور، كانت تلك البداية الصادقة هي الأساس الذي بنى عليه كل ما جاء بعدها بعد أن حقق جائزة أفضل ممثل على مستوى مدارس التعليم بالرياض ومن ثم على مستوى المملكة مدارس «1985»، ثم مضى إلى المسرح الأوسع إلى المسرح الجامعي، حيث تعمّق في فهم سيكولوجية الشخصية بالمسرحيات التي لعبها وهو الدارس بقسم علم النفس، صقل أدوات موهبته وتعلّم أن الحوار لغة وأن الصمت أحياناً أبلغ من الكلام، وأن الممثل الحقيقي هو من يجرؤ على أن يكون عارياً من الزيف صادقاً في أدائه، ثم تنقّل الجراح بين التجارب المسرحية، من المسرح الجامعي إلى مسرح جمعية الثقافة والفنون بعد تخرجه من الجامعة، ومن مسرح الجمعية إلى المسرح التجاري مروراً بالأعمال التلفزيونية التي من أهمها ساطعاً نجمه فيها المسلسل الشهير «طاش ما طاش»، دون أن يفقد بوصلته المسرحية، لأنه كان يعرف أن الوصول إلى الجمهور لا يعني التنازل عن المسرح لحساب التلفزيون، بل يعني أن تكون مستمراً مع الجمهور من خلال المسرح من أجل كسب المحبة المتبادلة، لذلك ظل ممثلاً مسرحياً يحترم عقل المتلقي ويخاطب وجدانه ويمنحه لحظة إنسانية وسط ضجيج العروض، ومن أجل عيون الجمهور المسرحي ترك التلفزيون وبقي على حالته المسرحية، يقدم نفسه على الخشبة كلما سنحت له الفرصة، وكانت الفرصة في مسرحية «المتحف»، التي ظهر فيها جنباً إلى جنب مع شيخ المسرح الفنان والممثل الكبير عبدالله السدحان، المسرحية التي عرضت مؤخراً بموسم الرياض على مسرح بكر الشدي بالبوليفارد، وسبقها قبل عامين وقف جنباً إلى جنب مع سيد المسرح الفنان والممثل الكبير راشد الشمراني في مسرحية «طار بالعجة»، على مسرح محمد العلي أيضاً بالبوليفارد، يوسف هو ذلك الفنان الذي بقي إنساناً قبل أن يكون نجماً صاحب القلب الكبير، الذي لم يصنع مسافة بينه وبين جمهوره، فحين نشاهده نشعر أن ما يقدمه ليس تمثيلاً بل حياة فنية أُعيد ترتيبها بهدوء على خشبة أو أمام كاميرا، فنان بدأ من المسرح المدرسي ومضى في طريقٍ طويل دون أن يفقد صدق الأداء، ولذلك بقي اسمه في الذاكرة الفنية، ووجهاً لا يُنسى لأنه اختار منذ البداية أن يكون فناناً ممثلاً من القلب.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد