: آخر تحديث

رفعت الأسد... أحد رموز الدولة المتوحشة

3
2
3

خيرالله خيرالله

يعبّر رفعت الأسد، الذي غيبه الموت قبل أيام، عن التحوّل السوري الكبير نحو الدولة المتوحشة التي تعتمد في إثبات شرعيتها على القمع والبحث عن قيام حلف للأقليات.

بدأ التحوّل السوري، عملياً، مع قيام الوحدة مع مصر في العام 1958، وهي وحدة لم تستمر سوى ثلاث سنوات وبضعة أشهر. في نهاية المطاف، لم يكن رفعت الأسد سوى رمز من رموز الدولة السورية المتوحشة التي دافع عنها بكل جوارحه منذ ما قبل مجزرة حماة في فبراير 1982 وانتهاء باجتياح الريف للمدينة وفرض قيم بالية على أهل المدن انتقاماً من كلّ ما تمثله تلك المدن، مثل دمشق وحلب وحمص وحماة واللاذقية، من قيم حضاريّة.

حدث ذلك الاجتياح في سوريا نفسها. لكنّ الدولة السورية المتوحشة تمددت إلى لبنان حيث كان لرفعت الأسد، طوال سنوات، وجود عسكري حقيقي من خلال مرابطة قوات من «سرايا الدفاع» في ملعب «نادي النهضة» في رأس بيروت قريباً من الحمام العسكري. كانت لرفعت الأسد وعصابته تصرفات مشينة في بيروت. شملت تلك التصرفات خطف القائم بالأعمال الأردني هشام المحيسن، ثم اطلاقه إثر ضغوط مورست عليه. كذلك، استنهض رفعت الأسد، الأقلية في طرابلس وسعى إلى توظيفهم في خدمة مشروعه القائم على حلف الأقليات في وجه الأكثريّة حيثما وجدت.

في الأساس، استمرّ التحول نحو الدولة السورية المتوحشة مع الانقلاب الذي نفذّه ضباط بعثيون وناصريون في الثامن من مارس عام 1963 بغية القضاء على أي أمل باستعادة سوريا لحيويتها. قضى انقلاب 1963 على أي فرصة تسمح بعودة سوريا إلى دولة طبيعية مع انتهاء الوحدة ذات الطابع المضحك المبكي في الثامن والعشرين من سبتمبر 1961. لم تسفر الوحدة سوى عن نكبة اقتصادية لسوريا... مع بدء التأميمات ووضع الأسس لقيام الدولة الأمنية، وهو ما تولاه الضابط عبد الحميد السراج.

مثل رفعت الأسد، الشقيق الأصغر لحافظ الأسد، الشخصية المتعطشة إلى السلطة والمال والتي لا تمتلك غير لغة العنف والابتزاز بغية تحقيق أهدافها. كان جزءاً لا يتجزّأ من الدولة المتوحشة التي طوّرها حافظ الأسد ووضع لها أسسها. بقي إلى العام 1984 أداة من أدوات «الأخ الأكبر» مؤسس الدولة التي انتهت في الثامن من ديسمبر 2024، يوم فرار بشّار الأسد إلى موسكو. لم يرتكب رفعت الأسد جرائم في حق الناس العاديين فحسب، بل ذهب إلى جعل نفسه «دكتوراً» بالقوّة. فرض نفسه مثقفاً، علماً أنّّه لم يكن يعرف تركيب جملة مفيدة واحدة!

لعب رفعت الأسد كلّ الأدوار التي كان مطلوباً منه أن يلعبها، بما في ذلك تأسيس «سرايا الدفاع» التي كانت تضمّ مجموعات عسكريّة مهمتها محصورة بالدفاع عن النظام، بل تشكيل درع له وذلك قبل حلها وإحلال الحرس الجمهوري، بضباطه، مكانها.

شغل رفعت في مرحلة معيّنة موقع نائب رئيس الجمهورية، لكنّه ما لبث أن أُبعد من دمشق بعدما سعى إلى وراثة شقيقه لدى تعرّضه لنكسة صحّية خطيرة في العام 1984. حلم رفعت الأسد وقتذاك بأن الظروف تهيّأت للاستحواذ على السلطة، كل السلطة. لكنّ حافظ الأسد، الذي أنقذ الأطباء حياته، استعان بكبار الضباط من أجل قطع طريق الخلافة على رفعت. تولى مصطفى طلاس وزير الدفاع، وقتذاك، دور الشتّام الذي لم يبق ستراً على رفعت الأسد. عرف طلاس، بشكل دائم، كيف يسترضي حافظ الأسد. اتقن الدور الذي كان مطلوباً منه كي ينصرف «معلّمه» إلى إعداد نجله الأكبر باسل، ليكون خليفته في يوم من الأيّام. هذا ما حصل بالفعل في العام 2000. قضى باسل، لكنّ الوريث كان بشّار!

طوال السنوات التي أمضاها رفعت الأسد، خارج سوريا، تمتّع بالأموال التي اغدقت عليه. اشترى عقارات فخمة وفنادق في فرنسا وبريطانيا وإسبانيا ودول أخرى. كذلك، سعى إلى ممارسة نشاطات إعلاميّة. لم يتغيّر الكثير في سلوكه ذي الطابع «التشبيحي».

تمتع حافظ الأسد بعقل سياسي جهنّمي تحرّكه رغبة في تغطية تعصّبه وكرهه لأهل المدن ولكلّ من يؤمن بالحريّة في سوريا. خانته الأقدار في 1994 عندما قتل نجله الأكبر باسل، في حادث سير تعرّض له في أثناء توجهه إلى مطار دمشق. كانت تلك الضربة الأكبر التي تعرّض لها منذ توليه السلطة في خريف 1970 تمهيداً لفرض نفسه كأول أقلوي يشغل منصب رئيس الجمهوريّة العربيّة السورية في 1971.

في كلّ وقت، اعتبر رفعت أن الظروف ستسمح له بالعودة يوما إلى دمشق للعب دور سياسي وذلك منذ ما قبل غياب باسل، عن الساحة. عاد بالفعل في العام 1993 مستغلاً وفاة والدته ناعسة، التي هي أيضاً والدة حافظ الأسد. لكنّ الرئيس السوري بقي يتعاطى معه بحذر، خصوصاً أنّه اختار تهيئة بشار كخليفة له، في ضوء مقتل باسل. قرّر حافظ الأسد، الذي كان يصف رفعت بـ«الغبي»، كما أبلغني أحد السفراء الأميركيين الذين خدموا في دمشق، السماح لشقيقه الأصغر بممارسة بعض الأدوار ولكن مع إبقائه تحت رقابة شديدة. لم يلبث رفعت أن غادر سوريا إثر اكتشافه أن ممارسة النشاط السياسي مغلق في وجهه.

ما كتب قد كتب، أكثر ما استطاع بشّار الأسد، عمله لعمّه هو السماح له بالهرب إلى دمشق من باريس تفادياً لدخوله السجن الفرنسي. نجا رفعت من السجن في فرنسا. بقي إلى آخر يوم من حياته فاراً من العدالة، العدالة التي ستلحق، مهما طال الزمن، ببشّار الأسد وآخرين غيره...


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد