محمد ناصر العطوان
تخيّل معي هذا المشهد «الأوسكاري» المتكرر:
غرفة اجتماعات فخمة، طاولة بيضاوية تلمع من فرط النظافة، يجلس على رأسها «المدير» أو «المسؤول الهمام»، وحوله حاشية من الموظفين والمستشارين بوجوه مغسولة... يطرح المدير فكرة عبقرية (من وجهة نظره طبعاً)، فكرة لو سمعها طفل في الابتدائية لضحك حتى بانت نواجذه، لكن ما إن ينهي «الباشا» كلامه حتى تنطلق سيمفونية من هز الرؤوس بالموافقة، وتتعالى الهمهمات: «الله عليك يا ترعة المفهومية!»، «عبقري!»، «سابق عصرك طال عمرك !».
ظاهرياً، يبدو المشهد قمة في الانسجام والتناغم... فريق عمل متفاهم، ومؤسسة تسير مثل الساعة السويسرية... ولكن الحقيقة، يا عزيزي، أن ما تراه ليس ثقة ولا انسجاماً... ما تراه هو «نفاق خوف» مكتمل الأركان.
نحن في ثقافتنا العربية العتيدة، ومع الأسف الشديد، تربينا على خلط شنيع بين مفهومين لا يلتقيان إلا في قاموس الاستبداد... نخلط بين «الانسجام» وبين «الثقة»... نظن أننا لكي نكون مجتمعاً آمناً أو مؤسسة ناجحة، يجب أن نكون جميعاً «نسخاً كربونية» من بعضنا البعض، نأكل الطعام ذاته، ونقول «آمين» خلف الإمام ذاته دون تفكير... ونتحدث بلغة واحدة مع اختلاف في اللهجة.
لكن علم الاجتماع، ذلك العلم «الرذيل» الذي ينكد علينا عيشتنا بالحقائق، يخبرنا بعكس ذلك تماماً... يقول لك العلماء إن المجتمعات المتشابهة التي يوافق فيها الجميع على كل شيء لا تحتاج إلى «ثقة» أصلاً. لماذا؟ لأنك لا تختبر الثقة وأنت توافقني.
الثقة الحقيقية، المعدن الأصلي، لا تظهر إلا في اللحظة التي أقول لك فيها: «لا... أنا أختلف معك».
هنا يبرز مصطلح عبقري يجب أن نضعه حلقة في آذاننا، واسمه «كلفة الاعتراض» أو ما سماه الخواجه (Cost of Dissent) المعيار الحقيقي لقياس صحة أي مؤسسة، أو دولة، أو حتى «قروب واتساب» عائلي، ليس «كم عدد الموافقين؟»، بل هو «كم سيدفع المعترض من جيبه ومن سمعته ثمناً لقول كلمة (لا)؟».
إذا كانت كلفة الاعتراض منخفضة؛ أي أنني أستطيع أن أقول للمدير «فكرتك فاشلة» دون أن أجد ملفي في الشؤون القانونية، ودون أن يتهمني الزملاء بأنني «عميل» أو «حاقد» أو «مندّس»، فهذا يعني أن الثقة عالية... هذا يعني أن المؤسسة قوية بما يكفي لتحمل الاختلاف، وأن المدير واثق من نفسه لدرجة أنه لا يخشى النقد.
أما إذا كانت كلفة الاعتراض مرتفعة؛ أي أن كلمة «لا» قد تكلفك وظيفتك، أو سمعتك، أو تجعلك منبوذاً في الكافتيريا، فهذا يعني أن الثقة في هذا المكان «صفر»، حتى لو كانت القاعة تضج بالتصفيق والهتاف... هذا «الهدوء» الذي تراه ليس هدوء الحكمة، بل هو «هدوء المقابر». والانسجام الذي يتباهون به هو انسجام القطيع الذي يسير نحو الهاوية وهو يبتسم للكاميرا.
المشكلة يا سادة أننا نعشق «الاستقرار الزائف»... نحب الموظف «المطيع» ونسميه «ابن حلال» أو ابن الشركة، ونكره الموظف «المجادل» ونسميه «مشاغب» أو «نكد». نسينا أن الضجيج المنضبط، والنقاش الساخن، واختلاف وجهات النظر، هي علامات الصحة والعافية لأي كيان حي. الميت فقط هو الذي لا يعترض.
لذلك، وأنت في موقعك، سواء كنت مديراً في شركة، أو حتى مديراً لقروب العائلة... أخطر سؤال يجب أن تطرحه على نفسك ليس: «هل الناس متفقون معي؟».
السؤال المرعب هو... «ماذا سيخسر فلان لو قال لي إنني مخطئ؟»
إذا كان الجواب: «سيخسر شيئاً بسيطاً أو لن يخسر شيئاً»، فاهنأ يا سيدي، أنت في بيئة صحية.
أما إذا كان الجواب «سيخسر موقعه، أو سيُلعن (سنسفيل) جدوده، أو سيُتهم بما لا تُحمد عقباه، فاعلم أنك تجلس على قنبلة موقوتة من النفاق، وأن هذا الهدوء الذي يحيط بك هو الهدوء الذي يسبق العاصفة... أو يسبق الانهيار».
والآن.. تمرين منزلي خفيف.
في آخر اجتماع حضرته، أو آخر مجلس جلست فيه...
هل كان الاعتراض مسموحاً ومرحّباً به؟ أم كان«مكلّفاً» وله فاتورة باهظة؟ لا تجبني الآن... ولا تجبني علناً حرصاً على«أكل عيشك».
فقط، لاحظ ذلك في المرة المقبلة، وستعرف حينها لماذا نحن «محلك سر» بينما العالم يطير... ودمتم... مختلفين بأمان. وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله...أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

