: آخر تحديث

رحلة في العلاقات السعودية الأمريكية.. من المُؤسس إلى المُجدد

11
12
12

في عام 1945 التقى الملك عبدالعزيز آل سعود مع الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت على متن الطراد (كوينسي).. اللقاء أثمر عن تفاهمات مبدئية شكّلت علاقة عميقة بين البلدين، أبرزها:

1- تحظى العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية باهتمام كامل.

2- يتعاون البلدان في كل المجالات بما يحقق مصالحهما.

3- التزام أمريكي حول القضية الفلسطينية، ألَّا يتأثر موقفها من الحقوق المشروعة للعرب في فلسطين.

لكن تلك الخطوة العملاقة بين الزعيمين عبدالعزيز وروزفلت، سبقتها تحضيرات طويلة بدأت ببطء ونفس طويل استطاع معها الملك عبدالعزيز الوصول للنتيجة التي تخدم مصالح بلاده.

اعترفت الولايات المتحدة بحكومة الملك عبدالعزيز في عام 1931م، لكنه لم يكن هناك تمثيل دبلوماسي حتى عام 1939 عندما عُين بيرت فيش كأول وزير مفوض للولايات المتحدة إلى المملكة العربية السعودية ومصر والمقيم في القاهرة. سافر (فيش) في رحلة واحدة إلى جدة عام 1940 لمقابلة الملك وتقديم أوراق اعتماده، ولكن وحتى بعد انتهاء مهمته عام 1941 لم تكن هناك بعثة دبلوماسية إلى أن تم تأسيسها في 1 مايو 1942، على يد جيمز موز.

ثم عُين السيد (وليم إيدي) كوزير مفوض ومبعوث أمريكي فوق العادة بالسعودية، وهو نفسه الذي تولى الترجمة بين جلالة الملك عبدالعزيز والرئيس روزفلت في لقائهما الشهير.

العلاقات السعودية الأمريكية كانت قد شهدت قبل ذلك، وفي نوفمبر 1933، التوقيع على اتفاقية مهمة بين البلدين وقعها من الجانب السعودي حافظ وهبة نيابة عن بلاده، وفيها تؤكّد حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، أن تحظى المملكة العربية السعودية بالأفضلية في التعاملات كافة.

يجب أن نلاحظ في العلاقات السعودية الأمريكية أن القطاع الخاص في البلدين هو من أسسها بداية الأمر، لقد مهدت براميل النفط الطريق أمام علاقة استمرت ثمانين عاماً لاحقة.

لقد استطاع الملك عبدالعزيز رؤية فرصة كبرى بعد التقائه بأحد رجال الأعمال الأمريكيين البارزين في المنطقة في تلك الفترة؛ وهو المستر (تشارلز كراين) الذي حضر إلى جدة بصحبة الكاتب اللبناني المعروف جورج أنطونيوس عام 1931 الذي عمل مترجماً له، وكان (تشارلز كراين)، قد وصل قبل ذلك إلى جدة بحثاً عن الملك عبدالعزيز بعد وساطة من أمين الريحاني، إلا أنه لم يوفق فقد سافر الملك إلى الرياض ليعود بعدها ويلتقي به.

خلال اللقاء بين (كراين) والملك عبدالعزيز أبدى الملك اهتماماً بالغاً بالبحث عن مصادر المياه رحمة بشعبه الذي تشكل الصحاري معظم بلاده، عندها قام كراين بالعرض على الملك عبدالعزيز أن يرسل له كبير الجيولوجيين (كارل تويتشل)، للمساعدة في إصلاح نظام الري في المملكة العربية السعودية وحفر الآبار ومعرفة المعادن الموجودة والكشف عنها، وبعد انتهاء زيارته أهداه الملك عبدالعزيز جوادين أصيلين.

الجيولوجي لم يجد مياهاً وفيرة، لكنه ذهب للملك، وقال له: «لم أجد الماء، لكنني وجدت ما يجلب لك الماء والتنمية في بلادك، إنه (النفط)».. وهو ما كان.

لقد كان اكتشاف النفط عام 1933 فتحاً كبيراً لمنطقة الشرق الأوسط والعالم، عندما أُبرمت اتفاقية الامتياز بين حكومة المملكة العربية السعودية وشركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا (سوكال). حينها، تم إنشاء شركة تابعة لها سميت بكاليفورنيا أرابيان ستاندارد أويل كومباني (كاسوك) لإدارة هذه الاتفاقية.

ومن المحطات المهمة في علاقة الرياض بواشنطن تأسيس الأمير فهد بن عبدالعزيز –الملك لاحقاً- عام 1974 (للجنة السعودية الأمريكية المشتركة)؛ التي تولت تطوير النشاط الاقتصادي والتجاري بين البلدين، ويرأس اللجنة وزيرا المالية في البلدين.

لقد فتح اكتشاف النفط من قبل شركة أمريكية باباً واسعاً دخلت منه أمريكا للصحراء السعودية، وتعرفت بعد ذلك على أساليب السياسة البدوية وكيف تدار، وهي أساليب مبنية على الإيفاء بالعهود وعدم الخيانة والصدق في التعامل؛ وهو ما أكده الأمير بندر بن سلطان في إحدى مقابلاته التلفزيونية، عندما قال: «بعد أن يصل المرشح للبيت الأبيض يكتشف أن المملكة العربية السعودية دولة صديقة صدوقة تعمل في سبيل الخير لا الشر، ودولة معتدلة، كلمتها صادقة وإذا وعدت وفت، وإذا قالت «لا» فإنها تعني «لا»، ونحن لسنا مثل غيرنا يقول «نعم» و«لا» في نفس الوقت».

اليوم ومع الجهود الكبرى التي بذلها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لإعادة ترتيب العلاقات السعودية الأمريكية وإعادة تموضعها اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، والتي توشك على التوصل إلى مجموعة شبه نهائية من الترتيبات لاتفاق دفاعي يتضمّن مكوناً نووياً مدنياً ومساراً واضحاً للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، نلاحظ التشابه الكبير بين المؤسس والمجدد، وكأن الزمن يعود مرة أخرى لإنجاز اتفاق تاريخي آخر يعيدنا بالذاكرة إلى تفاهمات الطراد (كوينسي) بين المؤسس الملك عبدالعزيز والرئيس فرانكلين روزفلت؛ التي شملت مساراً تنموياً وأمنياً، وكذلك مساراً سياسياً يضمن عدم التفريط في الحق الفلسطيني.

لقد استمرت العلاقات السعودية الأمريكية ما يزيد على 80 عاما شابها الكثير من التوافق، وبلا شك الكثير من الاختلافات؛ وعلى الأخص القضية الفلسطينية والعلاقة مع بعض القوى الإقليمية، لكن البلدين، وخاصة المؤسسات العميقة، فيهما تجد أن التفريط في ثمانية عقود من المصالح المشتركة المتبادلة هو خسارة فادحة ليس للبلدين فقط، بل وللعالم، خصوصاً أن العلاقة المتميزة بينهما ساهمت في تحقيق إمدادات آمنة للطاقة، واستقرار للاقتصاد العالمي، والحفاظ على مسار آمن للاستقرار والتنمية في منطقة الشرق الأوسط، رغم أن هناك مناطق مضطربة أخرى نذكّر أهمها: أفغانستان، البوسنة والهرسك، العراق وإيران، ولبنان وغيرها الكثير.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد