علاقات مملكة البحرين بالولايات المتحدة الأمريكية تاريخية واستراتيجية وقديمة ترجع إلى زمن بزوغها قوة عالمية بُعيد الحرب العالمية الثانية، إذ إن هذه العلاقات ومنذ نشأتها قبل أكثر من 50 عاما على المستوى الدبلوماسي وعلى امتداد أكثر من 75 عاما من حضور الأسطول الخامس على أراضي مملكة البحرين، كانت ميزتها التطور الدائم. وقد ارتكزت هذه العلاقة على ثلاثة ثوابت حددت مستوى العلاقات قديما وحديثا؛ أولها الاحترام المتبادل، وثانيها تبادل المصالح والمنافع المشتركة، وثالثها العمل الدؤوب على تطوير العلاقات الثنائية بين البلدين ورفدها بما ينبغي من الجهود لتعزيزها وتقويتها وتحويلها إلى شراكة استراتيجية مستدامة، وقد جاء البيان المشترك بين حكومتي مملكة البحرين والولايات المتحدة الأمريكية بعد ختام الحوار الاستراتيجي الثالث في يوليو 2023 ليؤكد هذا المسعى وليضع النقاط على الحروف ويوضح المجالات التي يعمل الجانبان على تحقيقها على أرض الواقع.
الملاحظة الأبرز في شأن العلاقات البحرينية الأمريكية أنها قوية وذات أبعاد استراتيجية وتتطور باستمرار، وقلما اعترضتها هزات أو مشكلات، وإن حدث ذلك فإنه يأتي بشكل عارض لا يرقى لأن يكون ذا أثر في جوهر العلاقة، ولا يزحزح قيد أنملة الثقة المتبادلة بين البلدين ومتانة الروابط التي تشدهما، ولهذا فإن الثابت في العلاقات البحرينية الأمريكية أنها تزداد قوة ومتانة ورسوخا على مر الأعوام. وقد أكد صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء لدى لقائه بنائبة الرئيس الأمريكي كامالا هاريس في واشنطن العام الماضي هذه الحقيقة عندما أقر بأن العلاقة بين البلدين «تواصل نموها على كل الأصعدة بما يسهم في تحقيق المصالح المشتركة، ويعود بالنفع على البلدين والشعبين الصديقين في ظل ما تحظى به العلاقات الثنائية من اهتمام ورعاية من حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى حفظه الله ورعاه».
البيان المشترك عكس في الواقع حقيقتين لا يستقيم الحديث عن هذا البيان ومدى التعاون المنشود بين البلدين من دون الإشارة إليهما، وهما: أولا، الجهود المقدرة التي تصرفها وزارة الخارجية وعلى رأسها سعادة الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني، وزير الخارجية؛ لتثبيت توجيهات حضرة صاحب الجلالة المعظم الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين حفظه الله ورعاه، وجعلها مدار كل حديث آني ومستقبلي عن الأمن والتنمية الاقتصادية وإقامة علاقات ناجحة مع دول العالم، وخصوصا الكبرى منها باعتبارها دولا رائدة في كل المجالات الاقتصادية والعلمية والثقافية والفكرية، ولا شك أن الولايات المتحدة، بصفتها الحليف الاستراتيجي، تأتي في مقدمة هذه الدول. ثانيا، ثقة الولايات المتحدة في المسار التنموي لمملكة البحرين والذي ترى بأنه يستحق الدعم وتمتين التعاون لما يتوافر له من المقومات الموضوعية الواعدة بمستقبل زاهر. ولعل مثل هذه الرؤية تستند إلى ما تحقق للبحرين من إنجازات داخلية تعزز الأمن والسلام وتنشئ بيئة للتعايش المجتمعي يسودها التسامح، وهما المرتكزان اللازمان لبناء اجتماعي وتنموي متقدم، ولإنشاء تفاصيل سياسة خارجية، إقليمية ودولية، أساسها السلام والأمن والاستقرار، وفي ذلك ما يُثبت متطلبات البناء والتنمية الاقتصادية التي تعود على الشعبين بالخير العميم.
البيان أكد على جملة من الأمور التي تجلب المنفعة للبلدين على مستويات عدة ومنها الأمن في الإقليم الذي يشكل مرتكزا ثابتا حافظا لتدفق النفط والغاز إلى بلدان العالم قاطبة لضمان سير عملية الإنتاج الصناعي لدول العالم وعدم توقف عجلة التطوير المنشودة في المجتمعات الإنسانية، وحيث إن لمملكة البحرين دورا مأمولا في صيانة أمن هذا الإقليم الحيوي وسلامة الإبحار في مياهه فقد أكد البيان على دورها المهم في المشاركة الجماعية في الدفاع عن السلم والأمن الإقليميين في إطار الشراكة الخليجية الأمريكية لمواجهة التهديدات الناشئة والأخطار «عبر الوطنية».
البيان أكد على التزام الدولتين الدائم بالتنمية الاقتصادية لتحقيق الازدهار والتقدم، وتطوير العلاقات الاقتصادية في سياق اتفاقية التجارة الحرة ومواصلة التباحث في كافة المسائل المتعلقة بالتجارة البينية والسياحة والثقافة والتعليم والصحافة والإعلام والأنشطة المتعلقة بالطاقة النظيفة؛ لتعزيز التعاون المثمر بين البلدين وضمان مصالح البلدين ومنافعهما المشتركة. إن في صدور هذا البيان ما يؤكد حجم الجهود الجبارة التي تبذلها وزارة الخارجية في سبيل تعزيز علاقات مملكة البحرين مع الدول، وفي سبيل إرساء تصور دبلوماسي جديد يتناغم وطبيعة التحولات التي نشهدها في عالمنا المعاصر.

