: آخر تحديث

في المئوية الثانية للبنان الكبير

33
26
29
مواضيع ذات صلة

بعد مئة سنة على إعلان فرنسا دولة لبنان الكبير، تظهر أبواب السرد لفهم تاريخ لبنان محكمة الإقفال، أوّلاً لانتفاء إمكانات التفاهم والحوار للخروج من الفراغ لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، وثانياً لتصوّر مستقبل هذا الوطن المعقّد عبر الخارج، كل خارج، بهدف إعلان الخاتمة، أو وضع النقطة النهائية لمستقبل لبنان، وثالثاً لبروز فرنسا مجدّداً، وثباتها عبر الأبواب المارونية المتجدّدة لتتجاوز الفراغ والواقع المعقّد والعسير، إن لم يكن المستحيل. كيف بدا ذلك؟

 أصدر المركز الماروني للتوثيق والأبحاث، وبرعاية بكركي باعتبارها المرجعية التاريخية الصلبة للموارنة في لبنان، كتاباً موسوعيّاً ضخماً عنوانه:«لبنان الكبير المئوية الأولى» وضعته مجموعة من الباحثين.

 جاء وقع الكتاب كأنّه يُعلن أن اللبنانيين قد أطفأوا في 1 سبتمبر/  أيلول 2020 شمعتهم المئوية الأولى على ميلاد دولة لبنان الكبير، وهم يعلنون إضاءة شمعة المئوية الثانية، وكأنّ اللبنانيين، وفقاً لما جاء من ردود فعل، لم تكفِهم 100 سنة من الصراعات على إعلان دولتهم بأزماتهم المتواصلة وانقساماتهم الطائفية وحروبهم المتكررة، عاجزين عن التفاهم نهائيّاً على هويّة لبنانهم ونظامه وحدوده وعروبته ومستقبله.

 إنّ معظم اللبنانيين، من السنّة والشيعة، وباقي الطوائف، المولودين بعد تسوية 1861- 1864 من أهالي عكّار وطرابلس وبيروت وصيدا وصور ومرجعيون وحاصبيا والبقاع وبعلبك، لم يعرفوا، أو يدركوا، أو يشعروا تماماً، كما غيرهم، معاني جبل لبنان وقيمته الأساسيّة وروحه، لا جغرافيّاً، ولا تاريخياً، ولا وطنيّاً، ولا سياحيّاً. ويمكن السماع بأنّ معظم بنات وشباب هذه المناطق الواسعة، لم يزوروا هذا الجبل، ولو مرّة واحدة، ويُعتبر كلّ الكلام السلبي المتوتّر والمتعاظم عبر التاريخ في جبل لبنان مرتجلاً، وسياسيّاً، وشعبويّاً، وطائفيّاً،على الأغلب، وهو لا يضيف حجراً مصقولاً إلى دولة لبنان الكبير عند إعلانه بعد ضمّ تلك المناطق المذكورة إلى الجبل، كأنّ هذا الضم بقي حبراً على ورق الخرائط المستوردة، ليس أكثر.

 ولطالما طبع تاريخ لبنان المئوي الانتباه الوطني العام، إذ كان يصبّ في الدعوة إلى العدالة والتغيير الذي غالباً ما كان يصطدم بالتاريخ المقفل، وتكون الوسيلة الوحيدة لفتح الباب العمل على تأسيس أحزاب، أو جمعيّات، أو مؤسسات، أو حتى جمعيّات عائلية، بهدف التغيير حتى الطفيف، عبر تقديم العلم والخبر والمباشرة الحزبية في ممارسة العمل السياسي. هكذا نفهم كيف ينتصب السؤال إيّاه في لبنان الذي راكم، ويستمر في مراكمة جمهوريات الممالك والطوائف والأحزاب المتفسخة والطائفية، وكلها محكومة بالسؤال المئوي مجدّداً:

 أيّ لبنان نريد؟ للإجابة عن هذا السؤال اللزج المتكرر، كنت تجد، ما عدا السهو والخطأ، 19 حزباً للطائفة المارونية، 14 للسنّة، 6 للشيعة، 7 للدروز، 7 للناصريين، 4 للأرمن، 4 للقوميين العرب، 9 لليسار، حزبين كرديّين، وحزبين للأقليّات، و10 أحزاب قليلة الفعاليّة. هكذا أصبح عدد الأحزاب في لحظة ما 85 بعد «حزب الفجر» الأخير في لبنان الذي أسسه الجنرال شامل روكز، صهر الجنرال الرئيس ميشال عون، الذي انتهى عهده، وما زال قصر بعبدا في الفراغ. تلك الأحزاب ببساطة، ما ألّفت، ولن تؤلّف وطناً يضمن تاريخ أجيالنا ومستقبلها، فكيف يمكن أن يحلم اللبنانيون من غير الحزبيين، مقيمين ومهاجرين، بتلك بالجمهوريّة المنتظرة؟

 هكذا يتقدّم السؤآل قويّاً: ما الجديد في لبنانكم اليوم ؟

 تتكرّر «سمفونيات» الجوع القاسية أوّلاً، كما حصل منذ مئة سنة، عندما أذلّ العوز أجدادنا على يد سلاطين بني عثمان. وانتظار الخارج والهبات الدولية والتحويلات الماليّة للمهاجرين اللبنانيين ثانياً، بعدما «تدولر لبنان»، وارتفاع أصوات الفيدرالية والتقسيم المقنّع ثالثاً، يقابلها الاعتراض الشامل على النظام والصيغة اللبنانية، ورفض تجديد ولادة لبنان على أيدي «القابلة» الفرنسية «الاستعمارية» رابعاً.

 صحيح أنّ نشأة لبنان الكبير جاءت برفع سقف فوق نظامي القائمقاميتين والمتصرّفية العثمانيتين، وبرعاية فرنسيّة، لكن الصحيح أيضاً أنّ المؤسسين غابوا، ولن يهضم عاقل أنّ 100 سنة من الإقامة في مكان صغير وجميل لا يتجاوز حيّاً في عاصمة كبرى، كانت كذبة عبر شعارات التعايش والعيش الواحد، أو المشترك التي لم تعمّر وطناً راسخاً قادراً أن يحكم نفسه بنفسه.

  يبرز الهدف الأسمى من متابعة تاريخ شعبٍ ما، بلوغه القدرة على توقع الأحداث وتجنّب المخاطر الممكنة وصولاً إلى خاتمة سعيدة. لا تقوم هذه الخاتمة، بتقديس الماضي السياسي، وتجميده، وتكراره، وحسب، بقدر ما يُنتظر قيادة التاريخ نحو النقطة النهائية التي تحفظ مستقبل الشعوب والأوطان.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد