لا تفاصيل لديّ عن الطريقة التي تتبعها البلدان الأخرى في تسجيل أعمار مواطنيها المخضرمين الذين ولدوا في زمن لم تكن تصدر فيه شهادات ميلاد، خاصة أن الكثيرين منهم ولدوا في بيوتهم على أيدي قابلات خبيرات، ولكن في وطننا البحرين، فإن هؤلاء المخضرمين ممن لا تتيسر لهم شهادات ميلاد، يجري اعتماد الأول من يناير من السنة التي يفترض أنهم ولدوا فيها، كيوم لميلادهم، وبطبيعة الحال، فإن ما من أحد من الأجيال التالية لم يعد يملك شهادة ميلاد، تحدد باليوم والشهر والسنة، تاريخ ميلاده.
ولعلكم قرأتم، أو سمعتم خبر إدخال كوريا الجنوبية تعديلاً على التشريع الذي ينظم احتساب تاريخ الميلاد، وعمر المواطن، بموجبه سيعاد النظر في النظام المعمول به، والذي على أساسه يعدّ عمر المرء سنة كاملة بمجرد ولادته، على أن تضاف إليها سنة أخرى في أول رأس للسنة يلي ميلاده، فحتى لو صادف أن أحدهم ولد في منتصف ديسمبر فإن عمره سيصبح سنتين عندما يحلّ الأول من يناير من السنة التالية، مع أن عمره الحقيقي لا يتجاوز أسبوعين. وهدف التعديل المقترح هو توحيد الطريقة التي يتم بها حساب العمر لتتماشى مع المعمول به في بقية دول العالم، لأن الحسابات العمرية المختلفة أدت، كما يقول المسؤولون، إلى ارتباك مستمر، وتكاليف اجتماعية واقتصادية غير ضرورية.
ومع أن التعديل الجديد لاقى قبولاً وترحيباً من عدد كبير من مواطني ومواطنات كوريا، لأنه سيمنحهم شعوراً بأنهم باتوا اصغر سناً بسنة، أو حتى بسنتين، بالنسبة للبعض، ونحن نعلم أن أغلبية الناس تشعر بسعادة ما، كلما كانت أعمارها أصغر، بل إن الكثيرين لا يجاهرون بأعمارهم الحقيقية، خاصة إذا كان مظهرهم وصحتهم كافيين لإخفاء هذه الأعمار، حين يظهرون أصغر سناً من سنهم الحقيقي.
ربما يكون العمر مجرد رقم، فالعمر هو شعور، بصرف النظر عن عدد سنواته، وعلى صلة بهذا الأمر سأورد مقطعاً من كتابي «ترميم الذاكرة» وجدته معبراً عن الخلاصة التي أريد أن أنهي بها المقال: «في كراسة احتفظ بها دوَّنت عبارة قرأتها مرة، تقول: (إننا لا نعي عمرنا إلا في لحظات استثنائيّة، وإننا معظم الوقت أشخاص بلا أعمار)، حتى تأتينا لحظة من لحظات التّكثيف العالي للذّكريات والمشاعر والهواجس، تحمل في داخلها شحنة جذب هائلة لتقذف بنا في دائرة من الاستعادات والأمنيات، لحظة من الرّغبة العارمة في أن نرى أنفسنا عن قرب، وأن نلج ذواتنا لنتعرَّف إليها، وأن نباغت أنفسنا بالأسئلة التي لم نعتد أن نطرحها».

