أستراليا، القارة البعيدة عن العالم القديم والجديد، وهي في عرف الاكتشافات الجغرافية عالم جديد بموازاة القارة الأمريكية، تعيش عالمها الخاص الذي يجمع بين السكان الأصليين والسكان الواردين الفاتحين المسيطرين على دفة الحياة فيها. وبعدها الجغرافي يبعد أخبارها الحياتية، من سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي، عن بقية دول العالم، إلا إذا حصل فيها ما يعد من نوادر الأحداث، والذي يجعل أخبارها مادة مميزة تهم شعوب العالم كله، خاصة إذا كانت تمس أسس العلاقة بين الإنسان والإنسان.
بدءا من القرن السابع عشر كانت هذه الجزيرة، التي يساوي سطح أرضها مساحة قارة، هدفا للدول الاستعمارية التي انطلقت من حدودها لاكتشاف أراض جديدة وثروات كثيرة وسلطة سياسية فيما يعرف بالجغرافيا السياسية تعينها في مخططاتها الاستراتيجية. البرتغال غرست الاسفين الاستعماري الأول، ومن ثم الهولنديون، وفي القرن الثامن عشر استفردت الإمبراطورية البريطانية بهذه القارة خالصة لها، وسميت هذه القارة أستراليا، وما كان لهذه القارة اسم ولا هوية باستثناء أنها كانت تضم عددا من البشر في طور الحياة الفطرية، والمسافة الحضارية بينهم وبين الغازي المحتل البريطاني كان كبعد الإنسان في العصر الحجري عن الإنسان الأوروبي في عصر ما بعد النهضة.
خبر له مغزاه في حكم التاريخ يشع نوره من هذه القارة البعيدة المركونة في أقصى جنوب الكرة الأرضية، ما كان له إلا أن يكون ذاك الشعاع الذي يمحي المسافات الطويلة التي تبعد الشعوب عن بعضها، لأنه خبر مميز نادر في عالم تتقاذفه الصراعات والاحقاد والحروب، والاستعمار الجديد بعد الاستعمار القديم. حدث يعبر عنه خبر، والخبر يجمع بين متناقضين في بوتقة انسانية متناغمة ومنسجمة رغم البدايات التي كانت فجيعة للسكان الأصليين وبالنتيجة للروح الإنسانية، والمتناقضان هما سكان أستراليا الأصليين والسكان الواردين الفاتحين المسيطرين.
في بداية الغزو، كأي غزو آخر في التاريخ، صار السكان الأصليون عرضة للإبادة حتى تخلو القارة منهم لتطمئن نفوس الغزاة، إلا أن التاريخ يعلمنا أن إبادة شعب بكامله، مهما كان متخلفا ومهما كان بدائيا، يعد من المستحيلات مما يضع الغازي أمام تحد مصيري، وهذا ما حصل بالفعل في أستراليا، حيث فشل الغزاة وركعوا لارادة السكان الأصليين، فكان الحدث والخبر المعبران عن تحول تاريخي، وهو تعلم من التاريخ بالرضوخ للواقع ودرس في التاريخ.
الحدث هو وفاة إنسان في أستراليا من السكان الأصليين، والخبر هو إعلان الحكومة الأسترالية عن الوفاة في هذه الصيغة: «أعلنت الحكومة الأسترالية اليوم الاثنين 3 ابريل 2023، وفاة يونوبينجو (Yunupingu) زعيم السكان الأصليين الأستراليين عن 74 عاما، الذي صنفته السلطات كنزا وطنيا حيا، ويعد من رواد الدفاع عن حقوق مجموعته». ولتكريم هذا القائد الوطني الذي أسهم بالنضال السلمي والإصرار على تحقيق مطالب السكان الأصليين، فإن السلطات في أستراليا بصدد وضع صورة الزعيم الأسترالي محل صورة ملك بريطانيا تشارلز الثالث على إحدى اوراقها النقدية، وهذه الخطوة هي بمنزلة مساواة قائد مناضل (يونوبينجو) أمام ملك حاكم (تشارلز الثالث).
هذا الحدث ما كان ليحمله الخبر على ظهره باحترام وتقدير، لولا ما كان من سوابق الرفض للاحتلال ومقاومته بإصرار خلال فترة تزيد على المائة عام، ومن ثم ركوع سلطة الاحتلال، في الستينيات من القرن الماضي، إلى الاعتراف بإنسانية السكان الأصليين وحقهم في الاقتراع، وقد صادق أكثر من 90% من السكان الواردين على هذا الحق وضرورة واهمية دمج الأصلي مع الوارد في نسيج وطني واحد، والقيادة الأسترالية بهذه الخطوة التاريخية والنوعية تضع التاريخ في موضعه الصحيح.
القيادة السياسية في أستراليا، ومعها بقية الواردين إلى هذه القارة، نموذج لمن يتعلم من التاريخ ويتعامل مع الواقع بموضوعية، وأن الواقع المعاش أهم، أن يستجاب لمقتضياته، من الانغماس والغرق في الماضي الذي فقد صلاحيته وصار تاريخا في الذاكرة وليس مرجعا للحاضر.
الاستعمار والظلم والاستبداد وقهر الشعوب صار من الماضي، حتى أن الحاضر صار نقيضا لذلك الماضي… رغم أن بعضا من ذلك الماضي ما زال باقيا كبقع صغيرة متناثرة، إلا أن صلاحيتها في حكم المنتهية، وهي آيلة الى الزوال، إن آجلا أو عاجلا. عندما يتحرر الحاضر من الماضي، فانه يكتسب استقلاله ويخدم ذاته التواقة الى غد أفضل…
هذا التطور النوعي، في العلاقة بين الانسان والانسان الذي تبلور في هذه الجزيرة-القارة، ينبئ بأن القادم من الأيام سيحمل ذات يوم خبرا يتولد من رحم خبر اليوم، وهو انتخاب الشعب في استراليا، بجميع مكوناته، الأصيلة والواردة، أحد أحفاد يونوپينغو رئيسا لوزراء أستراليا… المسافات بين الانسان واخيه الإنسان لا بد أن تتناقص يوما بعد يوم. جزء من العالم الجديد تعلم من التاريخ ورضخ للواقع وأخذ صاحب الحق حقه، وبقى الجزء الآخر، وهو القارة التي سماها الغزاة أمريكا وخاصة الولايات المتحدة وكندا، أن تحذو حذو أستراليا وترضخ للواقع وتتعلم من التاريخ وتخجل من غيها وعجرفتها وتقر لصاحب الحق حقه، وهم السكان الأصليون الذين سماهم الغزاة «الهنود الحمر»، وهناك كونتونات من السلطة متناثرة هنا وهناك عليها أن تتعلم الدرس نفسه.
كل الحضارات التي يتشدق بها الإنسان كانت وما زالت ملوثة بظلم الإنسان للإنسان، والذي سبق قد صار من الماضي بكل ما حمل من لوثة ومآس. مهمة اليوم هي تطهير الحضارة من الدنس الذي يلوثها، وكأن هذا الدنس خصلة ملازمة للحضارة، ولا يمكن تحقيق هذه المهمة إلا إذا تعلم أصحاب القرار من التاريخ، ورضخوا للواقع، وأقروا بالحق لصاحب الحق، وطهروا نفوسهم من العجرفة والغرور والتعالي.

