هل يستطيع المعنيّون بالحضارة الإسلامية أن يُمعنوا النظر في هذا الطرح؟ فيه ما يجعله غير مألوف وغير مطروق. طوال التاريخ الحديث، أي منذ بزوغ عصر النهضة الأوروبية، والعرب والمسلمون يعانون انسداد الآفاق العلميّة.
كانت بينهم وبين مفاتيح النهوض والانطلاق شعرة، لسوء الحظ لم يَروْها، كأنما كانت على عيون عقولهم غشاوة يصعب على الضوء اختراقها. أدوات الفهم والإدراك والاستدلال والاستنباط والحدس والتخمين والاستشعار والشكّ والاستفهام والاستقراء والمقارنة والتحليل والإحساس والتجلي، خانت قواهم الذهنية العقلانية والعاطفية الوجدانية جملةً وتفصيلاً، طوال عقود.
ثمّة آيات في القرآن الكريم لو أعمل المسلمون عقولهم فيها من منطلقات عقلانية بمنهجية معرفية، لرأوا تلك الشعرة. تخيّل دماغاً متوثّباً إلى البحث العلمي، يقرأ الآية: «قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ۚ» (العنكبوت 20)، سيقول يقيناً: لا يمكن أن يكون ذلك سيراً على الأقدام أو الدّواب أو غيرها، الأمر يتجاوز طبيعة الأرض وما فيها وما عليها، إلى أجرام السماء والكون كلّه، بالتالي يستدعي علوماً غير العلوم المعهودة، ثم يسأل: هل يمكن بناء مثل هذا الكون بأرضه وسماواته وكل ما في كوكبنا من كائنات حيّة وغير حية، بالنحو والصرف والبلاغة والعروض والقوافي وما تتناقله الأجيال من كلام يُروى جيلاً عن جيل، فما هي العلوم التي خلق الله بها هذا الكون الذي ما خُلق باطلاً. العلوم مختلفة إذاً وليست علوم «كفّار» بدليل أنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون. هنا تتجلّى الأسرار الكامنة وراء تلك الشعرة.
يصعب الوقوف على الأسباب الحقيقية، لتجمّد العقل العربي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فقد كانت العلوم في الغرب تُحقق إنجازات عظيمة. الغريب أن مصر في عهد محمد علي باشا خطت خطوات عملاقة نهضويّاً، حتى إن اليابان أرسلت إلى القاهرة وفداً لاستقصاء مفاتيح التقدم، لكن العالم العربي بعد ذلك استرخى ثم غفا فغطّ في السبات العميق.
اليوم، مشهد البلدان العربية تناقضات لا توصف: تقدّم مذهل لدى البعض، وتأخّر مأساوي عند الأكثرية. بانوراما مدارس فنية، داديّة سرياليّة على حداثة وما بعد الحداثة، تجريدية، عدميّة. كان المتوقع من العقل المتيّم بالفطرة بالبحث العلمي أن يحتضن الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء، معلناً أنها علوم «إيمانية»، بها شاد الخالق هذا الصرح العظيم الساحر الذي اسمه الكون، وعندما اكتملت مسيرة تشييده، طوال قرابة 14 مليار سنة ظهرت الحياة على كوكبنا وتسلّم مقاليد الشؤون الإنسان.
لزوم ما يلزم: النتيجة اللحاقيّة: لم يتأخر الوقت، فأن تصل متأخراً خير من ألاّ تصل أبداً.

