عبداللطيف الزبيدي
ما مدى أهمية أن يبحث العالم العربي عن محورية ثقافية؟ أغلب الظن أن هذه العبارة لم تطرق سمع القارئ قط، فهي من صنع خيال القلم. علينا النظر إليها بصيغ أخرى، مثلاً: هل ثمّة طريقة تفكير عربية نستطيع بها فهم طريقة تفكير الفرد العربي، أو طريقة التفكير العام لدى العرب؟ بصياغة أخرى: ما هي البصمات الثقافية العربية المؤثرة في طريقة التفكير العربية؟
إذا كان هذا المنهج لا يأتي بنتيجة ولا يوصل إلى المبتغى، فإن علينا أن نتأمل النقيض لعله يشفي الغليل. الثقافة المحوريّة التي نروم اكتشاف ملامحها ومعالمها، هي القوة المركزية الثقافية الجاذبة التي تتشكل من منظومة قيم مشتركة. السؤال: هل للعربي أو في العالم العربي ظاهرة من هذا القبيل؟ أبو الطيب المتنبي سهّل علينا الاهتداء إلى المطلوب، قال: «وبضدها تتبين الأشياءُ».
علينا إذاً استقراء النقائض، أي موانع النهوض الحضاري، فبدلاً من القول: ما هي العوامل التي جعلت العالم العربي في أوج التقدّم عالمياً؟ نسأل: ما هي العوامل التي حالت دون احتلال جلّ بلدان العرب مكانة متألقة بين أرقى التنميات الشاملة في العالم؟ لماذا لا نرى إلا ندرة نادرة من دول العرب استطاعت كسر أنف التخلف وحلّقت غير قانعة بما دون النجوم؟
لقد بلغ التاريخ الحديث قرنه الخامس. مؤلم أن تحسب السنين منذ عصر النهضة الأوروبية؛ أي تقريباً منذ 1600، ونحن في أكثريّة المضارب العربية بلا فلسفة، بلا حريّات فكر ورأي وتعبير، بلا إرادة تنموية إلا من رحم ربك، بلا تطوير للمناهج في التربية والتعليم، بلا تفكير في تشييد مراكز البحث العلمي، بلا منظومة قيم فنية تمنع ظهور الهبوط.
ثمّة متناقضات مدوّخة في العقل العربي، فمنذ خمسة عشر قرناً والعربي المسلم يتأمّل كيف نام أهل الكهف والرقيم ثلاثمئة عام، ولكنه منذ قرنين لم يعجب كيف نام العالم العربي ثلاثة قرون، ولم يعجب منذ مئة عام كيف نام العرب أربعة قرون، واليوم لا يعجب عدد من بلدان العرب كيف طال النوم خمسمئة عام. الطامة الكبرى هي أنه لا توجد لغة في العالم تتردد فيها كلمة علم مثل العربية، السبب واضح؛ لأن العلم والمعرفة متداخلان في العربية. في اللغات الأخرى تختلف العلوم مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء والعلوم الإنسانية عن غيرها. مفهوم العلم أو مفاهيمه في العربية مختلفة.
لزوم ما يلزم: النتيجة التجميعية: القضية مثل الفيزياء تماماً. على أهل الفكر والثقافة البحث عن ثقافة محورية جاذبة تجمع الشتات.

