عندما يكون المرء واعياً تتشكل لديه وحوله تلقائياً دوائر طاقة الجذب المعرفي، وبالتالي معرفة المرء بوجوده وإدراكه لأفكاره ومشاعره والتسلّح بطاقة مبدئية لبناء الوعي الاستراتيجي، مما يعني عقلاً متفتّحاً ومتقبلاً وخالياً من التصورات المسبقة والتشوهات المعرفية التي غالباً ما تخيم على أحكامنا ومشاعرنا وسلوكياتنا، وصولاً لتصور واضح وقرارات حكيمة ومرضية في كل جوانب الحياة المهنية والخاصة والتي تحافظ على رفاهية الذات والآخرين من حولنا.
ومن منطلق ذلك البعد الفلسفي قد نخرج لفضاءات معرفية تتعدى حيز الوجود المادي ولربما لآفاق إدراك المعرفة لذاتها مع التطور العلمي الهائل، وإن أخذت اليوم من العقل البشري منزلاً مؤقتاً لها ينقل من خلاله الوعي المعرفي من وسيلة لوسيلة نقل أخرى، وذلك بعيداً عن دهشة التاريخ وروايات تمجيد الحقائق العلمية، والتسلح بالنسبية كمنهج يشير إلى أن الثابت الوحيد فيزيائياً في الكون هو التغيير، وإدراك أن حقيقة اليقين هي استحالة اليقين في عالمنا المادي.
ومن جانب آخر، فإن أحد الأخطاء التي يرتكبها الاستراتيجيون هو وضع المشاعر والحدس في فئة «التفكير الغير منطقي»، واستبعاد الاستشراف لمصلحة التنبؤ واستبدال السيناريوهات التي تبدو مستحيلة لهم كلياً بالمراجع والأرقام، وما يطلقون عليه الدلائل والثوابت العلمية وجعل المدخلات من المصادر الموثوقة هي سيدة الموقف في عملية التخطيط، وجعل الخطط من تديرهم بدلاً من أن يديروا هم الخطط، والنوم في سبات عميق في كابوس التخطيط كحل لمواجهة التحديات والمخاطر المستقبلية، بدلاً من النظر للتخطيط ككائن حي يتنفس ويعيش على مدار الساعة من خلال مؤشرات تنبض بالحياة، وتسخير البيانات الضخمة وقبلها العقول المبدعة والمبتكرة في فن إدارة المستحيل وهندسة المستقبل ورؤية ما لا يراه الآخرون.
فالناس بطبيعة الحال يتجنبون التغيير والمخاطرة حتى عندما يؤدي هذا التغيير في النهاية إلى نتائج إيجابية، والقيادات غير الاستراتيجية والتي لا تمتلك وعي استراتيجي تحافظ على وتيرة وأسلوب العمل والأشخاص الذين لا يرون أنهم يشكلون تهديداً لهم.
وشخصياً أعتقد أن الأشخاص البارعين في المنظمات غالباً ما يكونوا من غير المؤدلّجين الذين لم تصبهم عدوى البرمجية المهنية، وغير المتحزّبين لتنظيمات أو جماعات الغلو والتطرّف الوظيفي ممن يحتكرون المصلحة العامة في أشخاصهم وإنجازاتهم الوهمية، والمخرجات التي لها آثار جانبية سلبية قد لا تظهر في الأجل القريب ولكن ستترك حتماً نتائج كارثية في المستقبل المتوسط والبعيد، حيث إن أولئك الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعاً لا يوجد رادع لهم، فهم من يضع القوانين والتشريعات، وربما هم من يخالفها، وبالتالي ربط النوعية والتميز بغزارة الإنتاج وساعات العمل الطويلة والتوصيات من المستوى الوظيفي الأعلى وجمالية العروض المقدمة، ويقابل ذلك رجعية مهنية تربط الراتب والمكافأة والحافز بالمنصب والدرجة الأعلى وليس بمقدار العطاء الابتكاري الريادي والتميز التخصصي. وفي المحصلة النهائية من يملك مفاتيح تغيير قواعد اللعبة هو نفسه من لا يستفيد من العقول والمواهب، وبالتالي يصبح الأفراد هم من يديرون النظام وليس النظام هو من يديرهم.
* كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات

