: آخر تحديث

غانم عبيد غباش..قامة ثقافية بارزة

38
38
32
مواضيع ذات صلة

الكتابة عن شخصية مبدعة ليست بالعملية السهلة، وتزداد صعوبة المهمة إذا كانت متشعبة الاهتمامات، عديدة الإنجازات، متنوعة الأدوار، وصاحبة بصمات خالدة في تاريخ وطنه. هذا ما واجهته وأنا مقبل على الكتابة عن ابن الإمارات الراحل غانم عبيد غانم غباش المهيري صاحب السيرة التي امتزجت بسيرة بلاده وتحولاتها المدهشة منذ ما قبل قيام الاتحاد عام 1971. فالرجل لم يكن فقط مثقفاً وسياسياً وكاتباً وإدارياً ورياضياً من الرعيل الإماراتي الأوسط، وإنما كان بحق ظاهرة ذات أبعاد مدهشة ومتكاملة ومنسجمة مع طموحات وطنه وشعبه.

ولد في دبي عام 1946 ابناً لعائلة غباش المعروفة بوطنيتها وإخلاصها، والتي قدمت للإمارات والخليج العربي ثلة من الشخصيات المرموقة في مختلف التخصصات. ونشأ في زمن التحولات المفصلية فكان شاهداً في ريعان شبابه على إرهاصات قيام الاتحاد السباعي، ومشاركاً في دعمه وتوطيده بالكلمة والفعل، خصوصاً وأنه كان وحدوياً حتى النخاع ومتحمساً لفكرة الوطن الخليجي الواحد.

منذ سنوات دراسته الإعدادية والثانوية بمدارس دبي لوحظ عليه ميله للقراءة بنهم في شتى المعارف والعلوم، ومتابعة ما يجري في العالم من أحداث من خلال الصحافة والإذاعة المصريتين، حيث كان مسكوناً بفكرة الإسهام في صناعة مستقبل وطنه وناسه، رغم عدم امتلاكه وقتذاك للوسائل الكفيلة بتحقيق أحلامه في نقل بلاده إلى عالم التطور. ومع قراءاته ومتابعاته هذه تشكل وعيه السياسي المبكر، وميوله العروبية والوحدوية، كما كان حال معظم أقرانه.

لم يكن المنهاج الدراسي والقراءة الخارجية وحدهما مصدر تألقه وإنما أيضا التجارب التي استقاها من مدرسة الحياة الواسعة، خصوصاً وأنه مزج التعليم بالعمل. فمنذ أن كان طالباً يافعاً انصرف إلى تحمل المسؤولية، فعمل بوظيفة بسيطة في مدرسته، وفي الصيف والإجازات كان يعمل عند أحد التجار، ثم عمل لفترة في جمارك دبي. وحينما اضطرته الظروف لترك الدراسة بمدارس دبي، هاجر إلى الهند ليعمل بها ويشاهد مدهشاتها ويكمل في ربوعها نضجه الفكري. ولما شعر أن طموحاته أكبر من البقاء مغترباً، سارع بالعودة إلى دبي في أواخر الستينات لمواجهة إرهاصات عصر النفط والتنمية الذي كان يقرع الأبواب آنذاك، وللانخراط في مسؤوليات الحقبة الاتحادية. وهكذا شغل، بعد عودته من الهند، منصب نائب مدير دائرة العمل والعمال في دبي، وبعد قيام الكيان الاتحادي تولى منصب الوكيل المساعد لشؤون العمل والعمال بوزارة العمل والشؤون الاجتماعية، حيث كان له الفضل في إنجاز أول قانون للعمل والعمال في الإمارات.

على أن وظيفته الحكومية ومسؤولياتها لم تحل دون شغفه بالحياة الثقافية والفكرية وولعه بالكتابة الصحافية كوسيلة لتمرير آرائه وقناعاته لمواطنيه الذين كانوا دوماً في صلب اهتمامه، خصوصاً وأن الإمارات في هذا التوقيت كانت قد شرعت في فتح الأبواب أمام أبنائها في مجالات الثقافة والتعليم والفنون، ضمن خططها في التنمية والبناء والانفتاح. وهكذا اتجه أولاً نحو كتابة المقالات في مجلة «الأهلي»، ثم في مجلة «المجمع الثقافي»، لكن خطوته الأبرز تمثلت في قيامه مع شقيقه محمد بإصدار مجلة «الأزمنة العربية» (صدرت نسختها الأولى في مارس 1979). ويعتبر الكثيرون أن خطوته تلك شكلت حدثاً مفصلياً في حياته لأنها وسعت من دائرة علاقاته الثقافية محلياً وعربياً، وخلقت منه كاتباً مقروءاً على نطاق واسع.

إن ما مهد لمشروع غباش الصحفي والتنويري هذا هو انخراطه منذ السبعينات المبكرة في النشاط الرياضي من خلال أنديته التي كانت وقتذاك من محطات العمل الاجتماعي والثقافي التي يلتقي فيها الناس للتعارف. وبسبب نشاطه الحافل والطويل في الأوساط الشبابية والرياضية، ولاسيما بالنادي الأهلي، صار مصدر ثقة الكثيرين من الشباب، بل تعلقت قلوبهم به ما سهل أمر توليه منصب رئيس اتحاد كرة القدم في الإمارات، ليدخل بذلك تاريخ بلاده الرياضي كأول رئيس لاتحاد القدم.

إلى ذلك، ساهم غباش في تأسيس أول اتحاد إماراتي للكتّاب والأدباء عام 1984، كما ساهم في تأسيس النادي الثقافي الاجتماعي.

في منتصف سبعينات القرن الماضي شاءت الأقدار أن يتعرض لحادث خطير أصابه بشلل نصفي أقعده على كرسي متحرك. لكن هذا لم يمنعه من مواصلة نشاطه الفكري والثقافي بروح معاندة للمرض والعجز على مدى السنوات العشرين التالية إلى أن حانت منيته في 4 مارس 1989، إبان تلقيه العلاج في أحد المستشفيات اللندنية.

وهكذا غادر الدنيا وهو في الثالثة والأربعين، التي تعتبر سن العطاء وقمة النشاط، دون أن يستكمل كل أحلامه وعناصر مشروعه التنويري، لكن عزاءه أنه وضع مداميك حركة فكرية وأدبية وثقافية وسياسية في وطنه الإمارات تحولت بعد رحيله إلى أحد النماذج الرائعة والمتميزة على المستويين الخليجي والعربي.

وعزاؤه أيضاً أن تلامذته ورفاقه واصلوا مشاريعه الثقافية من بعده. فالأمانة العامة لاتحاد كتاب وأدباء الإمارات مثلاً أقرت عام 1995 إطلاق جائزة «غانم غباش للقصة القصيرة». كما بادرت ثلة من أصدقائه إلى إصدار كتاب يضم ما نشره في «الأزمنة العربية» وغيرها من المطبوعات من آراء وأفكار وأمان وهواجس وهموم، واضعين بذلك أمام النشء الجديد صورة لبعض ما كان يعتمل في نفسه.

وغباش الذي لم تمكنه ظروفه المعيشية وتواضع أحوال بلاده في الستينات الميلادية من مواصلة تعليمه الجامعي، حرص على أن يشجع إخوته على مواصلة تعليمهم وتخصصاتهم حتى أعلى المراحل، فغدوا جميعهم من حملة الشهادات التي لم يتمكن هو من نيلها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد