: آخر تحديث
آخر سياج في أوروبا القارية يقترب من النهاية

اتفاق تاريخي حول جبل طارق.. إسبانيا تفتح الحدود وتتمسك بالسيادة

5
5
5

 

إيلاف من بروكسل: وُقّع الاتفاق أخيراً، لكن النزاع لم ينتهِ. فبينما فتح الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة صفحة جديدة لتنظيم وضع جبل طارق بعد خروج بريطانيا من الاتحاد، حرصت إسبانيا على تثبيت الجملة الأهم بالنسبة إليها: لا تغيير في مطالبتها بالسيادة على الإقليم.

الاتفاق، الذي وُقّع في بروكسل، يسعى إلى إنهاء واحد من أكثر الملفات تعقيداً التي خلّفها «بريكست»: كيف يعيش جبل طارق، الإقليم البريطاني الصغير عند الطرف الجنوبي لشبه الجزيرة الإيبيرية، مع جواره الإسباني والاتحاد الأوروبي من دون أن يتحول الحد الفاصل إلى عائق يومي أمام السكان والعمال والتجارة.

وقال وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، عقب توقيع الاتفاق، إن «إسبانيا لم تغيّر حرفاً واحداً من موقفها بشأن السيادة»، مشيراً إلى أن المادة الثانية من الاتفاق تنص، بحسب مدريد، على استمرار مطالبة إسبانيا التاريخية بسيادتها على جبل طارق.

وأضاف ألباريس أن الاتفاق يحافظ على الموقف الإسباني، وفي الوقت نفسه يفتح المجال أمام مرحلة جديدة من التعاون والتعايش مع جبل طارق، مؤكداً أن بلاده حققت الأهداف التي وضعتها منذ بدء المفاوضات.

ووقّع الاتفاق مفوض الاتحاد الأوروبي للتجارة ماروش شيفتشوفيتش، ووزير الدولة البريطاني لشؤون أوروبا ستيفن دوتي، بحضور ألباريس ورئيس وزراء جبل طارق فابيان بيكاردو. وقالت المفوضية الأوروبية إن الاتفاق يشكل إطاراً جديداً لعلاقة الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة في ما يتعلق بجبل طارق، بعد سنوات من الترتيبات المؤقتة التي أعقبت خروج بريطانيا من الاتحاد.

نهاية السياج لا نهاية الخلاف

أبرز ما في الاتفاق أنه يمهّد لإزالة الحواجز والضوابط المادية على حركة الأشخاص والبضائع بين إسبانيا وجبل طارق، في ما وصفته مدريد بأنه إزالة «آخر حدود أوروبا القارية». وتقول وزارة الخارجية الإسبانية إن النص يوفر إطاراً قانونياً شاملاً لتعزيز التنمية الاقتصادية والضمانات الاجتماعية والتعاون، مع بقاء مطالبة إسبانيا بالسيادة «كاملة».

عملياً، يعني ذلك أن سكان جبل طارق سيتمكنون من دخول إسبانيا باستخدام بطاقات الإقامة من دون أختام جوازات، فيما يستطيع الإسبان استخدام بطاقات الهوية للعبور، بما يسهّل حركة يومية يعتمد عليها آلاف العمال. وذكرت «رويترز» أن نحو 15 ألف عامل يعبرون يومياً بين إسبانيا وجبل طارق، وأن الاتفاق ينهي مرحلة طويلة من عدم اليقين السياسي والاقتصادي حول الحدود.

وهذه النقطة بالذات هي قلب الاتفاق. فجبل طارق، رغم رمزيته السيادية الثقيلة، يعيش اقتصادياً واجتماعياً على تماس مباشر مع منطقة كامبو دي جبل طارق في الأندلس. والحدود، بالنسبة لكثيرين، ليست ملفاً دبلوماسياً بل طريق عمل يومي، ومعبر عائلات، وشرياناً تجارياً.

مطار وحدود على الطريقة الأوروبية

الاتفاق لا يكتفي بإزالة العقبات عند الحدود البرية. فهو يتضمن ترتيبات حدودية جديدة في مطار جبل طارق، مع ضوابط مشتركة أو منسقة أقرب إلى النموذج المستخدم في بعض نقاط العبور الأوروبية، بما يسمح بإدارة حركة المسافرين مع مراعاة قواعد منطقة شنغن.

وتشير «فايننشال تايمز» إلى أن القادمين إلى جبل طارق من المملكة المتحدة سيخضعون، بموجب الترتيبات الجديدة، لنظام الدخول والخروج الأوروبي، بما يشمل فحص البصمات والوجه، بينما يُستثنى سكان جبل طارق من بعض هذه الإجراءات. كما أوضحت أن الاتفاق يجعل الإقليم عملياً أقرب إلى فضاء شنغن من حيث حركة العبور، مع استمرار حساسية السيادة.

أما لندن، فحرصت على قراءة الاتفاق من زاوية مختلفة. فقد أعلنت الحكومة البريطانية أن المعاهدة «تؤمن المستقبل الاقتصادي لجبل طارق»، وتدعم الازدهار على جانبي الحدود، مع حماية السيادة البريطانية والاستقلال العسكري للمملكة المتحدة.

بهذا المعنى، يقدّم كل طرف الاتفاق إلى جمهوره بلغته: مدريد تقول إن السيادة لم تسقط من جدول المطالبة، ولندن تقول إن السيادة البريطانية لم تمس، وبروكسل تقول إن «بريكست» خسر آخر ألغامه الحدودية الكبرى.

3 قرون في خلفية الورقة

يعود الخلاف على جبل طارق إلى أكثر من 3 قرون، بعدما آلت السيطرة البريطانية على الإقليم بموجب معاهدة أوترخت عام 1713. ومنذ ذلك الحين، بقي «الصخرة» مساحة صغيرة ذات رمزية كبيرة: لبريطانيا بوصفه موقعاً استراتيجياً عند مدخل المتوسط، ولإسبانيا بوصفه ملف سيادة لم يُغلق.

لذلك، لا يقدم الاتفاق جواباً نهائياً عن السؤال القديم: لمن جبل طارق؟ لكنه يجيب عن سؤال أكثر إلحاحاً لسكان المنطقة: كيف يعيش الناس على الجانبين من دون أن تتحول السياسة إلى طابور يومي على الحدود؟

ألباريس وصف الاتفاق بأنه «بداية حقبة جديدة» في العلاقات بين جبل طارق ومنطقة كامبو دي جبل طارق، وقال إن السكان سينتقلون من تعايش قائم على المواجهة إلى مستقبل قائم على التعاون والفرص المشتركة.

ولم يخف الوزير الإسباني أن المعاهدة تحمل بعداً اجتماعياً واقتصادياً داخلياً. فبحسبه، ستنعكس إزالة الحواجز وتحسين التعاون على نحو 300 ألف شخص في منطقة كامبو دي جبل طارق، من خلال تعزيز فرص العمل والاستثمار والتكامل الاقتصادي.

معارضة في مدريد وارتياح في الحدود

لم يمر الاتفاق من دون انتقادات داخل إسبانيا. فقد هاجمه حزبا «الشعب» و«فوكس»، معتبرين أنه لا يحقق مصلحة مدريد في ملف السيادة أو يقدّم تنازلات غير مبررة. ورد ألباريس بأن الاتفاق يصب في مصلحة سكان المنطقة ومصالح إسبانيا، حتى إن لم يدرك منتقدوه ذلك.

وقال الوزير إن الاتفاق «لصالح 300 ألف من أبناء الأندلس في منطقة كامبو دي جبل طارق، لصالح مصالحهم ومستقبلهم»، مضيفاً أن التعاون والاستثمار في التعايش لا يمكن إلا أن يعودا بالفائدة على إسبانيا.

وفي جبل طارق، رحب رئيس الوزراء فابيان بيكاردو بالاتفاق، معتبراً أنه يحافظ على الاستقرار والازدهار، فيما ركزت الحكومة البريطانية على أثره الاقتصادي وعلى إنهاء حالة عدم اليقين التي استمرت منذ «بريكست».

وقالت الحكومة البريطانية إن الاتفاق سيزيل الحاجة إلى ضوابط على الأشخاص والبضائع بين جبل طارق وإسبانيا، ويدعم الازدهار الإقليمي، من دون المساس بالسيادة البريطانية أو الحكم الذاتي لجبل طارق.

اتفاق عملي فوق نزاع رمزي

القيمة الأهم في الاتفاق أنه لا يحاول حل كل شيء. فهو لا يفرض تسوية سيادية، ولا يطلب من مدريد التخلي عن مطالبتها، ولا من لندن التخلي عن موقفها، ولا من جبل طارق تغيير موقعه الدستوري. لكنه ينقل الملف من لغة الانسداد إلى لغة الإدارة اليومية.

في أوروبا ما بعد «بريكست»، لم يكن جبل طارق تفصيلاً صغيراً. فقد كان نقطة تماس بين بريطانيا الخارجة من الاتحاد، وإسبانيا العضو في الاتحاد، وإقليم بريطاني يحتاج عملياً إلى حرية حركة مع فضائه الجغرافي الطبيعي.

لذلك يبدو الاتفاق أقرب إلى صيغة ذكية لتأجيل السؤال الأصعب: السيادة تبقى معلقة، لكن السياج يسقط. والناس يعبرون.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في أخبار