هل الأبيض لون، أم أنه غياب اللون؟
سؤال شغل الفنانين والعلماء والمصممين لقرون، لكن في عالم الموضة تبدو الإجابة أقل أهمية من السؤال نفسه. فالأبيض يمتلك لغته الخاصة؛ يمكن أن يكون صارمًا أو حسيًا، بريئًا أو جريئًا، بسيطًا أو بالغ الفخامة. قد يهمس بالفخامة أو يعلن الحداثة بصوت عالٍ. وموسمًا بعد آخر، من باريس إلى ميلانو، ومن لندن إلى نيويورك، يعود إلى منصات العرض وكأنه لم يغادرها يومًا. ولعل هذه تحديدًا هي قوته.

الأبيض هو الثابت الأكبر في عالم الموضة: درجة لونية لا تنتمي إلى عقد زمني بعينه، ومع ذلك تنجح بطريقة ما في التقاط مزاج كل حقبة.
من البدلات البيضاء المصممة بقصّات حادة ودقيقة، إلى فساتين تنساب في خفة ورومانسية، يمتلك الأبيض قدرة استثنائية على التحول تبعًا للقصة والتصميم. حين يظهر في معطف ذي بنية نحتية، يصبح أقرب إلى عمل معماري. وفي الحرير، يبدو حسيًا. أما في القطن، فيمنح إحساسًا بالعفوية والبساطة. وفي الدانتيل، يستحضر الحنين. وفي الدنيم، يبدو شابًا وحيويًا. أما الكشمير، فيمنحه ذلك الشعور بالفخامة الهادئة التي لا تحتاج إلى استعراض.

ثم تأتي ميزته الأكثر إثارة: الأبيض يجبرك على النظر إلى الملابس نفسها.
فحين لا ينافس اللون التصميم على جذب الانتباه، تصبح القصة والملمس والنسب والبنية هي الحكاية. تكشف القطعة البيضاء كل شيء: دقة الخياطة، وحركة القماش، والعلاقة بين الجسد وشكل الملابس. فلا مكان لتختبئ فيه عيوب التصميم. وربما يفسر ذلك عودة المصممين المستمرة إلى الأبيض.

يمنح الأبيض نوعًا من إعادة الضبط الإبداعية. ففي كل موسم، عندما تبحث الموضة عن الجديد، يمكنها أن تعود إلى شيء أساسي وأولي. يستطيع المصمم أن يعيد ابتكار القماش والحجم والتنسيق والمزاج، لكن اللوحة التي يبدأ منها تظل مألوفة.
وثمة شيء ديمقراطي بعمق في الأبيض أيضًا. فهو حاضر في الأزياء الراقية كما في مجموعات المتاجر اليومية. قد يكون مجرد قميص أبيض بسيط، أو فستانًا فاخرًا بالغ الدقة في تصميمه. ترتديه العروس، والمعمارية، ومحبة البساطة، والمتمردة، والمسافرة في عطلتها، والمرأة التي تعبر المدينة مسرعة بقميص أبيض وسروال أنيق.

ومع ذلك، فإن الأبيض أبعد ما يكون عن الحياد.
فعلى مر التاريخ، حمل هذا اللون رمزية هائلة: النقاء، والمراسم، والمكانة، والنظافة، والشباب، والروحانية والحداثة. وفي عالم الموضة، يعاد باستمرار تفسير هذه المعاني. فقد يوحي الفستان الأبيض بالبراءة، أو بالثقة المطلقة بالنفس. وقد تستحضر البدلة البيضاء بريقًا من زمن مضى، أو تجسد مفهومًا معاصرًا تمامًا للقوة والأناقة.
وربما لهذا السبب تحديدًا يظل الأبيض حاضرًا في صناعة شديدة الهوس بالجديد. الموضات تتغير وتختفي، أما الأبيض فيبقى.
إنه اللون ـ أو اللامنتمي إلى الألوان ـ الذي يمنح الموضة إذنًا بالبدء من جديد.
كل خزانة تحتاج إلى قطع ترتكز عليها؛ تلك القطع التي تنجو من تغير أطوال التنورات وتحولات الذوق والأسلوب. قميص أبيض. قميص أبيض بسيط. سروال أبيض. وربما فستان أبيض. قد لا تكون هذه القطع الأكثر إثارة بين ما تعلقينه في خزانتك، لكنها غالبًا الأكثر قدرة على جعل كل ما عداها يبدو في مكانه الصحيح.

فهل الأبيض لون؟.. قد تكون إجابة الموضة: ومن يهتم؟
إنه لوحة، وتصريح، وصفحة بيضاء وتوقيع في آن واحد. خالد من جهة، ومتجدد باستمرار من جهة أخرى.
ولهذا، في مكان ما من العالم، وعلى منصة عرض ما، سيظل الأبيض يعيش لحظته الخاصة.

لأن الأبيض ليس صيحة.
الأبيض هو بداية كل صيحة.


