إيلاف من الجونة: لا ينتظر المخرج المغربي فوزي بنسعيدي اكتمال السيناريو كي تبدأ علاقته بالفيلم؛ فقد تنطلق التجربة لديه من رغبة سينمائية، تتشكّل ملامحها عبر مراقبة الواقع والبحث عن العلاقة بين الصورة والصوت. هكذا قدّم تصوّره للإخراج خلال لقاء أقيم ضمن فعاليات اليوم الأخير من مهرجان الجونة السينمائي، تناول فيه مسيرته بين المسرح والتمثيل والسينما، وأدار الحوار أحمد نبيل.
وأوضح بنسعيدي أن اهتمامه لا يقتصر على الحكاية، بل يشمل بناء عالم يمنح كل فيلم لغته الخاصة. فالشمس والأشجار والطيور والعيون، وغيرها من التفاصيل المحيطة بالشخصيات، تستطيع أن تصبح عناصر فاعلة في هذا العالم، متى وجدت مكانها داخل الرؤية السينمائية.
وتقوم تجربته، وفق ما طرحه في اللقاء، على الجمع بين الانتباه إلى الواقع وتقديمه بدقة، وبين البحث عن علاقات شعرية تتولّد من الصورة والصوت، بما يجعل الفيلم تجربة تتجاوز متابعة الأحداث.

المسرح مدرسة للمخرج
واستعاد المخرج المغربي بداياته مع المسرح، الذي وصفه بأنه مدرسة مهمة للمخرج السينمائي، إذ يتيح له التعرّف إلى أدوات العمل وبناء علاقة قريبة مع الممثلين. ورغم أن السينما كانت رغبته الأولى، فإن المسرح تحوّل مع الوقت إلى شغف كبير في حياته.
وأشار إلى أن اختلاف زمن العمل يترك أثره في هذه العلاقة؛ فالتجربة المسرحية تسمح للمخرج والممثل بالعمل معًا بصورة يومية لأسابيع أو أشهر، بينما يجري تصوير الفيلم خلال فترة محدودة. أما السينما نفسها، فيراها أقرب إلى الموسيقى والعمارة، بما تنطوي عليه من تركيب وإيقاع.
وتوقّف عند تجربته أمام الكاميرا، موضحًا أنه ابتعد عن التمثيل ليتفرّغ للإخراج، وكان قد قرّر في البداية ألّا يظهر في أفلامه. لكنه عاد إلى التمثيل في «ألف شهر»، حين أدّى دورًا صغيرًا، واكتشف أن وجوده داخل المشهد يتيح له ملاحظة أداء زملائه من زاوية مختلفة.
وشبّه هذه الخبرة بالموسيقي الذي تتحسّن قدرته على سماع النوتة حين يعزفها؛ فالمشاركة في المشهد جعلته أكثر انتباهًا إلى تفاصيل قد لا يلتقطها بالقدر نفسه من خلف الكاميرا.

مساحة لاكتشاف الشخصيات
وتحدّث بنسعيدي عن إحدى طرق عمله مع الممثلين، إذ قد يتيح للممثل قراءة المشاهد التي يشارك فيها فقط، دون الاطلاع على السيناريو كاملًا. وتمنح هذه الطريقة، بحسب حديثه، مساحة للاكتشاف والتلقائية، لأن الممثل لا يعرف بالضرورة كل ما سيحدث للشخصية.
وفي حديثه عن مستقبل السينما، استعاد مخاوف سبق أن طرحها في محاضرة «تيد» قبل نحو 14 عامًا، تتعلق بصناعة الصور في عالم أصبح مشبعًا بها، وما يرافق التطور التكنولوجي من أسئلة حول موقع السينما وقدرتها على تقديم تجربة خاصة.
ووصف صناعة الفيلم بأنها مغامرة لا يمكن التنبؤ دائمًا بمسارها أو نهايتها، مشيرًا إلى اختلافها عن المسلسلات التي تعتمد غالبًا مسارًا أكثر تنظيمًا. أما معيار الفيلم الجيد لديه، فيرتبط باتساق عناصره وقدرتها على العمل معًا دون أن يشعر المشاهد بعملية تركيبها.


