: آخر تحديث
أضواء

أفلاطون ولغز المحاكاة

3
4
3

أكثرَ الدارسون في تناول نظرية المُثُل عند أفلاطون، وأشبعوها بحثًا ونقدًا وتفسيرًا وتأويلًا. لكن لم يتنبّه أحد إلى القيمة المعرفية/الأبستمولوجية لهذه النظرية. ولقد ذهب جميعهم إلى الأساس الغيبي للنظرية، وإلى القيم الأخلاقية والجمالية فيها.

بيد أن إمعان النظر فيها وتقليب أحوالها قد يفضي إلى رؤية أخرى ونتيجة مفارقة لما سبقها. وهذا يتطلب الجمع بينها وبين إحدى أهم نتائج هذه النظرية وحيثياتها، وهي موقع الشعراء من نظريته وجمهوريته.

لقد قسم أفلاطون الوجود إلى عالمين وجوديين: عالم المُثُل، وعالم النُسَخ (نسخ عن المُثُل)، فعالم المُثُل هو عالم علوي غير مرئي، وهو عالم الحقيقة. أما عالمنا فهو عالم منسوخ من العالم الحقيقي، فهو صور له. ومن هنا جاءت نظرية المحاكاة، باعتبار أننا نعيش في عالم كل ما فيه من موجودات هي نُسَخ محاكية أصلها الموجود في العالم العلوي المثالي. ولذلك فعالمنا ليس أكثر من موجودات وهمية (simulacr) ونُسَخٍ عن مثلها الحقيقية.

ولهذا صارت عنده المحاكاة درجة ثانية عن الأصل، ولا يمكن أن تكون أفضل منها ولا مثلها. وعلى هذا الأساس المعرفي وضع أفلاطون نتاج الشعراء درجة ثالثة، فشعرهم يحاكي هذه الموجودات التي تحيا في عالمنا، مجردات ومحسوسات، وهذه الموجودات هي بدورها نُسَخ تحاكي مثلها في العالم العلوي. وبناء على هذه النظرية أقام جمهوريته الفاضلة من دون أن يكون بين ظهرانيها مكان للشعراء.

لكن الدارسين لم يتنبّهوا إلى الرؤية الأبستمولوجية لهذه النظرية ولهذا الطرد للشعراء وللشعر من جمهوريته. فأفلاطون رأى أن الطبيعة البشرية تنجذب للمحاكاة وينشغل بها العقل أكثر من الأصل. وكلما تكررت المحاكاة ابتعد الذهن البشري عن الأصل وانشغل عنه، فيصير المحاكي أصلًا ويفقد الوجود معناه. أراد أفلاطون للعقل البشري أن يعي هذا التفاوت في درجات الوجود وقيمته، وأن يدرك الحقيقة الموهومة للموجودات، أي أن يكون الإدراك العقلي تعويضًا للنقص الوجودي الذي خُلقنا فيه ونحياه في عالمنا هذا، وأن يكون هذا الوعي بمثابة ارتباط نظري بوجودنا الأصلي وبمثلنا وحقائقنا (ارتباط بالحقيقة). وهذا الارتباط يكون بالنظرة الفلسفية التجريدية وليس بالمحاكاة الجمالية المقصية للحقيقة. وهو هنا يختلف مع ما تعاهدته الفلاسفة والمنظرون من بعده، تلك الرؤية التي احتفت بالمحاكاة وبقيمتها الجمالية والأخلاقية (catharsis)، وقيل إنها تقوي وجود الأشياء فينا.

وحين النظر في نظريته من زاوية أبستمولوجية، لا شك في أننا قد نرى أشياء لم يرها الفلاسفة الذين جاؤوا بعدها. ولأعطي مثالًا نعيشه ونعايشه ونعاينه ونعانيه في حياتنا المتكررة، فاليوم صار الممثلون والمغنون والشعراء وكل من يعتمد على تجسيد الواقع (المحاكاة)، هؤلاء صاروا أهم من النماذج التي يجسدونها، فالنشء حين يرى فيلمًا عن قصة شخصية ما، هو يريد أن يكون مثل الممثل لا مثل الشخصية الأصلية. ولو ذهب الناس إلى عرض سينمائي فهم يريدون التصوير مع بطل العمل لا بطل القصة الحقيقية ولو كان موجودًا بين الحضور.

لقد حوّلت المحاكاة النُسَخ السيميولاكرية إلى قدوة ومحط اهتمام وتقليد واتباع، في حين أن النماذج الأصلية الواقعية (التي هي ذاتها نُسَخ لمُثُل علوية عند أفلاطون) أمست في زوايا منسية من الحياة وركن بعيد من إدراكنا ووعينا بها.

من هنا يمكن أن نفهم العلة المعرفية وراء فقه تحريم الرسم أو النحت في بعض النصوص المقدسة، فهي ليست من باب مخافة عبادتها كأصنام، ولا من باب تحدي الخالق، بهذين المعنيين الحرفيين الساذجين، وإنما هي من باب مخافة صنميتها الاعتبارية التي تحوّلها نظرية المحاكاة من وجود مزيف وتعطيها مكانة مُثُلها الحقيقية، ومن باب مخافة إشغالنا عن صور المخلوقات الحقيقية، فجمال الصورة قد يشغلنا عن جمال أصل الصورة، ونُسخة البطولة بكل تجلياتها المحاكية قد تنسينا المعنى الحقيقي للبطولة، وهذا ينطبق على المعاني الحقيقية للمُثُل الأخرى: كالحب، والوفاء، والصدق، والتضحية، والعمل، و، و، و.

وهذا أحد جوانب المحاكاة السلبية، على الرغم من الجوانب الإيجابية الأخرى والكثيرة. واليوم بتنا نعيش هذه السلبية التي سمّاها بعضهم (نظام التفاهة).

بل يمكن الزعم أن استجابات جسدنا البيولوجية هي نوع من المحاكاة والترجمة الفيزيائية والكيميائية لحالات هرمونية أوّلية وعضوية أصلية، فتكون الاستجابة بمنزلة الترجمة النفسية والمحاكاة البيولوجية لحاجات وظيفية ودوافع غريزية، كنقص الطاقة في العضلات الذي يترجمه شعور بالجوع أو الغثيان، وكنقص هرمون الدوبامين الذي يترجم اضطرابًا في المزاج، واللذة الجنسية التي هي محاكاة لاستمرار النسل وترجمة لها. ثم يضاف إلى ذلك مشاعر الخوف والغيرة والحقد والحسد وما إلى هنالك من حالات نفسية هي محاكاة أو ترجمة مضللة لتركيبتنا البيولوجية والهرمونية، ولتفاعلات جسدنا الكيميائية والفيزيائية. بل أكثر كوارثنا وصراعاتنا وحروبنا ليست أكثر من محاكاة تصورية وترجمة شعورية لبيولوجيا هذا الكائن الحيواني الذي يرى أنه إنسان فوق مستوى الحيوانات وباقي الكائنات.

إذن، هي المحاكاة التي فطن أفلاطون إلى ضلالاتها وتنبّه إلى جوانب التزييف فيها، ولا سيما حين تتسربل بلباس الجمال الأدبي والفني والشعوري، لتبدو للنفس البشرية أكثر جاذبية وإغراء من الأصل، فتصير البديل الوهمي منه. إنها حالة من حالات التهاء النفس بالكماليات حين تكون هناك حاجة للأساسيات. وهذه إحدى ألغاز المحاكاة والتباساتها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات