هناك دول تُدار كما تُدار المطابخ الرديئة، ضجيج كثير، ودخان كثيف، وطهاة يتشاجرون حول الملاعق والصحون، بينما يحترق الطعام في القدر. وهناك دول أخرى تُدار كما يُعدُّ التشريب العراقي الأصيل، هدوء، وصبر، وترتيب، واحترام للتوقيت، وإيمان بأن النتيجة لا تصنعها كثرة المكونات، بل حسن إدارتها.
لهذا لم أعد أنظر إلى التشريب بوصفه أكلة شعبية عراقية، بل مدرسة سياسية كاملة متكاملة. قد يختلف المؤرخون حول الجذور الدقيقة للتشريب، فلا توجد وثيقة علمية تثبت أنه طبق سومري أو بابلي بصورته الحالية، لكن الثابت أن حضارات وادي الرافدين عرفت الخبز والمرق والطبخ منذ آلاف السنين، وأن الثريد العربي جاء لاحقًا ليصبح جزءًا من هذا الامتداد الحضاري، قبل أن يمنحه العراقيون شخصيته الخاصة، حتى صار التشريب واحدًا من أكثر الأطباق تعبيرًا عن هوية العراق.
وهذا هو الفرق بين التاريخ والسياسة، التاريخ لا يحب المبالغات، أما السياسة فتعيش عليها.
لدي صديق طباخ محترف اسمه حمودي، لا يحمل شهادة في العلوم السياسية، ولا يظهر على شاشات التلفزيون، لكنه يعرف درسًا تعجز عن فهمه حكومات العراق المتعاقبة. حين يصنع التشريب، لا يبدأ بالبهارات، بل بالنار، ولا يبدأ باللحم، بل بالوقت، ولا يغرق الخبز في المرق دفعة واحدة، لأنه يعرف أن الخبز إذا استعجلته احترق، وإذا أهملته تفتت.
كل شيء عنده له توقيته. راقبته مرة وهو يعمل، فاكتشفت أن الرجل لا يطبخ، بل يدير منظومة. كل عنصر يعرف مكانه، وكل خطوة تعرف موعدها، ولا أحد يزاحم الآخر، ولا أحد يحاول أن يكون البطل الوحيد داخل القدر.
عندها خطر لي سؤال سياسي بسيط:
كم سياسي عراقي يعرف إدارة مكونات الدولة كما يعرف حمودي إدارة مكونات التشريب؟
العراق اليوم لا ينقصه النفط والموارد والثروات، ولا تنقصه العقول والخبرات، ولا ينقصه التاريخ، ولا ينقصه الموقع، بل ينقصه الطاهي الذي يعرف متى يرفع النار، ومتى يخفضها. حكومة الزيدي تقف أمام اختبار أصعب من تشكيل الوزارات أو إصدار البيانات.
اختبارها الحقيقي هو أن تحول المكونات المتنافرة إلى وجبة وطنية واحدة. فالدولة ليست جمعًا حسابيًا للأحزاب، وليست توزيعًا للمقاعد، وليست اتفاقًا مؤقتًا بين الخصوم. الدولة، ببساطة، وصفة دقيقة، إذا زادت فيها المحاصصة أفسدت النكهة، وإذا غاب القانون احترق القدر، وإذا تدخل كل شخص في الطبخ خرج العراق بلا عشاء ولا صحون ولا ملاعق.
السياسة ليست أن ترضي الجميع، فالطاهي الذي يحاول إرضاء جميع الأذواق يفسد الطبق.
والحاكم الذي يحاول إرضاء جميع القوى يفقد الدولة. لهذا، أتمنى أن تتقن حكومة الزيدي السياسة كما يتقن حمودي التشريب، أن تعرف أن النجاح لا يصنعه عدد الطهاة، بل وجود رئيس مطبخ واحد يتحمل المسؤولية، وأن تدرك أن كثرة الأيدي داخل القدر ليست ديمقراطية، بل فوضى، وأن الدولة، مثل التشريب، تحتاج إلى نار مستقرة، لا إلى حرائق متبادلة.
أحيانًا أعتقد أن وزارات كثيرة تحتاج إلى دورة تدريبية في مطبخ حمودي أكثر من حاجتها إلى ورش الإدارة العامة. ففي مطبخه لا توجد محاصصة بين اللحم والخبز، ولا صراع على المرق، ولا مؤتمر صحفي لكل ملعقة، ولا متحدث رسمي باسم البصل.
كل مكوّن يؤدي دوره بصمت، ثم يخرج الطبق متكاملًا، وهكذا ينبغي أن تكون الدول. إن العراق لا يحتاج إلى مزيد من الخطباء بقدر حاجته إلى صُنّاع وصفة، ولا إلى سياسيين يتنافسون على الكاميرات، بل إلى رجال دولة يعرفون أن النجاح، مثل التشريب، لا يُقاس بما يُقال عنه، بل بما يتركه من أثر بعد أن يهدأ ضجيج الصحون والملاعق. ولعل أعظم درس تعلمته من حمودي أن الطبخ والسياسة يشتركان في قانون واحد:
القدر الذي تكثر فيه الأيدي نادرًا ما يخرج منه طبقٌ يستحق أن يُقدَّم للوطن.
وأنا هنا لا أتحدث عن الطعام؟


