: آخر تحديث
المختبر السياسي

التهجين السياسي: شركاء في السلطة نهارًا وخصومها ليلًا

2
2
2

ليست أخطر أزمات السياسة تلك التي تنشأ من الصراع بين السلطة والمعارضة، فذلك أمر طبيعي في كل نظام ديمقراطي، إنما تبدأ الأزمة الحقيقية عندما تختلط الحدود بينهما، فيولد ما يمكن تسميته بـ"التهجين السياسي"، حالة يصبح فيها السياسي شريكًا في الحكم، ومعارضًا له في الوقت نفسه، يتمتع بامتيازات السلطة، لكنه يرفض تحمّل مسؤولياتها.

التهجين السياسي ليس مرونةً، ولا براعةً في إدارة التوازنات، بل ازدواجيةً في الموقف، فصاحبه يصوّت للقرار ثم ينتقده، ويشارك في الحكومة ثم يتحدث كما لو أنه خارجها، ويحضر عند توزيع المكاسب، لكنه يغيب عندما يحين وقت المحاسبة. إنه يريد أن يجمع بين شرعية السلطة وشعبية المعارضة، وبين الغنيمة وبراءة الذمة.

هذه الظاهرة لا تربك المشهد السياسي فحسب، بل تُربك المواطن أيضًا، فمن يحكم فعلًا؟ ومن يعارض؟ ومن يتحمّل مسؤولية الإخفاق؟ وعندما تضيع الإجابات عن هذه الأسئلة، تتراجع الثقة بالنظام السياسي كله، لأن الديمقراطية لا تقوم على تعدد الأحزاب فقط، بل على وضوح المواقع والمسؤوليات.

وفي الأنظمة الديمقراطية الراسخة، قد تختلف الأحزاب داخل الائتلاف الحاكم، وقد تعترض على بعض السياسات، لكنها لا تتنصل من مسؤوليتها الجماعية، أما في الديمقراطيات الهشة، فيصبح التنصل مهارة سياسية، ويغدو الهجوم على الحكومة جزءًا من خطاب مَن يشاركون في إدارتها.

ولا يقتصر خطر التهجين السياسي على إرباك المسؤولية، بل يمتد إلى إفساد الثقافة السياسية نفسها، فهو يعلّم الجمهور أن المبدأ قابل للتبديل وفق المصلحة، وأن الخطاب لا يلزم صاحبه، وأن بإمكان السياسي أن يكون في صفين متناقضين في الوقت نفسه من دون أن يدفع ثمنًا سياسيًا أو أخلاقيًا. ومن هنا، يصبح التهجين السياسي أحد أخطر أعراض الجرب السياسي، لأنه يحوّل الازدواجية إلى فضيلة، ويجعل الإفلات من المسؤولية معيارًا للنجاح، بدلاً من أن تكون المسؤولية هي جوهر العمل العام.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس:

لماذا يمارس بعض السياسيين هذا السلوك؟

بل:

لماذا يقبل به الرأي العام؟

فكلما تسامح المجتمع مع ازدواجية المواقف، اتسعت المنطقة الرمادية بين السلطة والمعارضة، حتى يفقد النظام السياسي بوصلته، ويغدو الجميع شركاء في الحكم، وضحايا له في الوقت نفسه.

إن الديمقراطية لا تحتاج إلى معارضة صاخبة بقدر ما تحتاج إلى معارضة واضحة، ولا إلى سلطة معصومة، بل إلى سلطة تتحمّل مسؤولية قراراتها. أما حين يصبح السياسي شريكًا في السلطة نهارًا، وخصمًا لها ليلًا، فإن المشكلة لا تعود في الأشخاص، بل في الثقافة التي أنتجت هذا التهجين السياسي، حتى بدا وكأنه إحدى قواعد اللعبة، لا أحد أمراضها.

تقرير المختبر:

كل مجتمع يتسامح مع الجرب السياسي طويلًا، يمنحه فرصة التحول من مرض جلدي محدود إلى وباء يلتهم جسد الدولة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.